النهي ، كما ظهر ذلك من المثال الذي قدّمناه .
وأمّا الثالث - أي اجتماع المُقرّبيّة إلى اللَّه تعالى والمُبعّديّة عنه تعالى في شيء واحد فهو أيضاً كذلك ؛ لوضوح أنّه ليس المراد القرب والبعد المكانيّين منهما ؛ ليمتنع اجتماعهما في واحد ، بل المُراد المنزلة والمكانة وضدّهما عند المولى ، فلا مانع من اجتماعهما في واحد ذي عنوانين ووجهين : باعتبار أحدهما تقرُّب العبد إليه تعالى ، وباعتبار الآخر يَبعُد عنه تعالى ، كما في المثال المذكور .
ومن جميع ما ذكرنا يظهر ما في المقدّمات التي ذكرها في « الكفاية » لبيان ما اختاره من الامتناع ، ولا نُطيل بذكر ما فيها من الإشكال ، لكن لا بأس بالتعرّض لبيان ما ذكره في المقدّمة الأولى ، وما هو المعروف من تضادّ الأحكام .
فإنّه قال فيها ما حاصله : إنّه لا ريب في أنّ الأحكام الخمسة متضادّة كلّ مع الآخر في مقام فعليّتها وبلوغها مرتبة البعث والزجر ؛ ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامّة بين البعث نحو واحد والزجر عنه في زمان واحد بالنسبة إلى مكلّف واحد ، وإن لم يكن بينهما مضادّة ما لم تبلغ تلك المرتبة ؛ لعدم المنافاة والمعاندة بين وجوداتها الإنشائيّة قبل بلوغها إليها ، كما لا يخفى ، فاستحالة اجتماع الأمر والنهي في واحد ليست من باب التكليف بالمحال ، بل لأنّه تكليف محال بنفسه ، فلا يجوز عند من يجوّز التكليف بغير المقدور . انتهى « 1 » حاصله .
أقول : قد عُرِّف الضدّان : بأنّهما أمران وجوديّان لا يستلزم تصوُّر أحدهما تصوُّر الآخر ، يتعاقبان على موضوع واحد ، وبينهما الخلاف ، أو غاية الخلاف « 2 » ، على الاختلاف في تعبيراتهم .
وذكروا أنّ من شرائط التضاد : أنّه لا بدّ أن يكون لكلّ واحد منهما ماهيّة
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 193 .
( 2 ) - الأسفار 2 : 112 - 113 ، منظومة السبزواري 2 : 41 .