والذي أوقع القوم في الاشتباه هو ما ذكره الفلاسفة من أنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي ؛ لا محبوبة ، ولا مبغوضة ، ولا كلّيّة ، ولا جزئيّة ، والنقائض عنها مرتفعة « 1 » ، وغير ذلك ، فتوهّموا : أنّه لا يمكن تعلّق الأمر والنهي بها نفسها ، بل هي متعلّقة بالوجود الخارجي ، وفرّعوا عليه القول بالامتناع في المسألة ، وذهب القائلون بجواز الاجتماع إلى أنّها مُتعلِّقة بإيجاد الماهيّة ، فأخذوا في متعلَّقها الوجود المجرّد منضماً إلى الماهيّة ؛ فراراً عن المحذور المذكور ، فلا بدّ من توضيح ذلك وبيان شبهتهم ، فنقول :
معنى قولهم : « الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي » أنّ الكلّيّة والجزئيّة ونحوهما ليست عينها ولا جزأها في مرتبة ذاتها ، وأنّ طبيعة الإنسان - مثلًا - في مرتبة ذاتها ليست إلّا طبيعة الإنسان ، ولذا صرّحوا بارتفاع النقيضين والضدّين اللّذين لا ثالث لهما عنها « 2 » ، مع أنّ ارتفاع النقيضين محال واقعاً ، ولا ريب في أنّ طبيعة الإنسان كلّيّة - أيضاً - يمكن صدقها على كثيرين .
وبالجملة : فمرادهم من الجملة المذكورة : أنّ الكليّة والجزئيّة وغيرهما من المسلوبات عنها ليست عين ذاتها ولا جزأها ، وأنّها غير مأخوذة فيها أصلًا ، ولا ربط لهذا المطلب بما نحن فيه ، ولا منافاة له لما نحن بصدده ، فإنّ المُدّعى هو أنّ الأحكام متعلِّقة بنفس الطبائع المجرَّدة ، ولا يلزم من ذلك دخل شيء في ذاتها عيناً أو جزءاً حتّى ينافي ما ذكره الفلاسفة ؛ لما عرفت أنّ الاحتمالات بحسب مقام التصوّر ثلاثة : أحدها تعلّق الأحكام بالخارج ، وثانيها تعلُّقها بالموجود في الذهن ، الثالث تعلُّقها بنفس الطبائع ، والأوّلان مستحيلان - كما عرفت مُفصَّلًا - فتعيّن الثالث ، فالأمر متعلّق بنفس الطبيعة ، ويُتوسَّل به إلى إيجاد فردها الخارجي .
وإن شئت قلت : إنّها متعلّقة بإيجاد الطبيعة في الخارج - أي مفهوم الإيجاد -
هامش
( 1 ) - انظر الأسفار 2 : 3 - 4 ، ومنظومة السبزواري 2 : 93 .
( 2 ) - انظر منظومة السبزواري 2 : 94 .