فالأوّل جزئي حقيقي خارجي ، والثاني جزئي حقيقي ذهني ، وأمّا الثالث أي نفس الطبيعة فهي وإن لا تحقق لها في ذاتها ، إلّا أنّها عين الموجود في الخارج من أفرادها ، وفي الذهن عين الموجود الذهني ، لكن إذا تصورها الإنسان فليست جزئياً ، إلّا بلحاظ وجودها في الذهن بلحاظ آخر ثانٍ ، ولا يمكن لحاظها كذلك بتصوّرٍ واحدٍ ، بل إذا تصوّرها الإنسان فهي توجد بهذا التصوّر فيه .
ولكن هذا الوجود الذهني مغفول عنه ، وليس المتصوّر جزئياً بهذا التصوّر ، بل جزئيتها تحتاج إلى تصوّر آخر لوجودها في الذهن ولحاظه ، وإلّا فمع عدم اللحاظ الثاني فهي ليست إلّا هي أوجدها الإنسان في ذهنه ، فهي - حينئذٍ - في نفس الأمر من الموجودات الذهنية بالحمل الشائع ، لكن الأحكام الثابتة لها المجعولة عليها ذاتية لنفس الطبيعة ؛ لأنَّ وجودها الذهني مغفول عنه ، فلا يمكن إثبات حكم له .
ولذا ذهب جمع من المحقّقين - في مبحث لوازم الماهية كالزوجية للأربعة - إلى أنّها لازمة لنفس الطبيعة ، مُنفكة عن الوجودين الذهني والخارجي ؛ من جهة أنَّ تصورها وإن كان هو وجودها الذهني بالحمل الشائع ، لكن حيث إنَّ هذا الوجود مغفول عنه ومع ذلك تثبت لها لوازمها « 1 » .
يستكشف منه أنّها لازمة لنفس الطبيعة ، ويدل على ذلك - أيضاً - تقسيم الماهية إلى الموجودة والمعدومة ، والظاهر أنَّ المُراد منها هو نفس الطبيعة الكليّة ، لا مقيّدة بالوجود الذهني ؛ فإنّها كذلك قسم لا مقسم ، وغير قابلة للتقسيم المذكور .
وبالجملة : لا إشكال في أنَّ هنا أحكاماً ثابتة لنفس الطبائع المجرّدة عن الوجودين ، والأوامر والنواهي مُتعلقة بها كذلك بتصوّرها وجعل الحكم من الوجوب والحُرمة وغيرهما لها نفسها ، فإنَّ هذا التصوّر وإن كان هو وجودها الذهني ، لكنَّه مغفول عنه عند جعل الحكم لها ، ولا يثبت لهذا الوجود شيء ، ويدل على ذلك أنّا
هامش
( 1 ) - انظر منظومة السبزواري ( قسم الفلسفة ) : 60 .