التأمّل يقضي بأنّ التعبير بالسراية في المقام مسامحي ؛ إذ بالنظر الدِّقّي يكون الطلب المتعلّق بالطبيعي الملحوظ مرآةً للخارج ، متوجِّهاً إلى تلك الجهة الجامعة بين الحصص ، فمتعلّق ذلك الطلب في الحقيقة تلك الجهة الجامعة « 1 » . انتهى .
أقول : ما ذكره - من أنّ نسبة الطبيعي إلى الأفراد هو نسبة الآباء إلى الأبناء - ليس مجرّد لفظ واصطلاح ، بل هو نظير ما ذكره الرجل الهمداني من أنّ نسبة الطبيعي إلى الأفراد نسبة الأب الواحد إلى الأبناء ، وأنّ الطبيعي موجود في الخارج بنعت الوحدة - أي الجامع بين الأفراد - وليس مجرّد لفظ واصطلاح .
واستدلّ على مذهبه : بأنّا ننتزع من الأفراد الخارجيّة مفهوماً واحداً ، ومع أنّها كثيرة يُنتزع منها ذلك المفهوم ، مثل انتزاع مفهوم الإنسان من زيد وعمرو وبكر وسائر الأفراد ، ولا يمكن انتزاع مفهوم واحد منها بما أنّها كثيرة ، فلا بدّ لها من جامع مشترك بينها موجود في الخارج « 2 » .
وفيه : أنّ الخارج ظرف للأفراد بنعت الكثرة ، ولا يمكن وجودها فيه بنعت الوحدة ، ولا تنتزع المفاهيم الكلّيّة من الأفراد الخارجيّة ؛ بأن يوقَع شيء من الخارج في الذهن ، فإنّه غير معقول ، بل تنتزع من الأفراد الذهنيّة بلحاظها وتصوُّرها أوّلًا وإلغاء خصوصيّاتها الفرديّة وما يمتاز كلّ واحد منها عن الآخر .
واستدلّ - أيضاً - بأنّه قد تتوارد العلل المتعدّدة - المستقلّة كلّ واحدة منها في العلّيّة والتأثير - على معلول واحد ، كقتل واحد بسهمين أو برمحين ، وكتسخّن الماء بالنار والشمس ، ورفع اثنين صخرةً لا يقدر كلّ منهما مُستقلّاً على رفعها ، ونحوها من الأمثلة ، وحينئذٍ فإمّا أن يُؤثِّر كلّ منهما مستقلّاً ، وهو مستحيل ، وإمّا أن لا يؤثّر شيء منهما ، وهو - أيضاً - مُستحيل ، وإمّا أن يُؤثّر كلّ واحد منهما تأثيراً ناقصاً ، وهو
هامش
( 1 ) - بدائع الأفكار 1 : 407 - 410 .
( 2 ) - انظر رسائل ابن سينا : 467 - 471 .