هذا في صورة تساوي التكليفين في الأهميّة .
وأمّا لو فرض أنّ أحدهما أهمّ من الآخر ، كما لو غرق اثنان : أحدهما ابن للمولى ، والآخر ابن أخٍ له ، وفرض أنّ إنقاذ الابن أهمّ عقلًا من الآخر عنده ، فإنْ تَركَ إنقاذهما معاً استحقّ عقوبتين ؛ لقدرته على إنقاذ كلّ واحدٍ منهما مع قطع النظر عن الآخر ، وإن أنقذ الابن ولم يقدر على الآخر ، فلا يستحقّ عقوبةً أصلًا في مخالفة الأمر بالمهمّ ؛ لمعذوريّته عقلًا لعدم قدرته على امتثاله مع فعل الأهمّ ، ولو أنقذ ابن الأخ المهمّ فلا يستحقّ عقوبة بالنسبة إليه ، وأمّا بالنسبة إلى ترك إنقاذ الابن الأهمّ ، فلا يُعذِّره العقل لتركه واشتغاله بالمهمّ .
فظهر من جميع ما ذكرناه : أنّ ما استشكله الشيخ البهائي قدس سره على الثمرة - بأنّ الأمر بالشيء وإن لا يقتضي النهي عن الضدّ ، لكنّه يقتضي عدم الأمر به ، وهو كافٍ في فساده لو كان عبادة « 1 » - غيرُ صحيح ؛ لما عرفت من أنّ الأوامر متعلّقة بالطبائع ، فالصلاة في المثال مأمور بها ، وكذلك الإزالة بنحو الإطلاق ، مع أنّها ضدٌّ للإزالة ، فلا يقتضي الأمرُ بها عدمَ الأمر بالصلاة في المثال :
ففي صورة تساوي الضدّين في الأهميّة لو أتى بواحدٍ منهما ، فالعقل حاكم بمعذوريّته في مخالفة الآخر ، مع أنّ أمره - أيضاً - فعليّ ، والترتُّب الشرعيّ أو العقليّ - كما عرفت - غير معقول .
وفي صورة أهميّة أحدهما لو أتى به فهو معذور - أيضاً - في ترك الآخر .
وأمّا إذا أتى بالمهمّ فهو ممتثل بالنسبة إليه ، فيُثاب به ، لكن حيث إنّه ترك الأهمّ ، فلا يعذره العقل ، فيصحّ عقوبته به ؛ لما عرفت من أنّ الأوامر الشرعيّة كلّها كلّيّة قانونيّة متوجّهة إلى عامّة المكلّفين ، وليس حالات المكلّفين - من العلم والجهل والقدرة والعجز - دخيلة فيها ولا ملحوظة ، وإلّا لزم تقييدها بعدد أفراد المكلّفين ؛
هامش
( 1 ) - انظر زبدة الأصول : 99 سطر 2 .