ومستهجنة ، والشاهد على ذلك أنّهم لا يقولون بذلك في الأحكام الوضعيّة ، كنجاسة الخمر الموجود في مكان بعيد خارج عن مورد الابتلاء ، وكذلك نجاسة الدم ونحوه ، وإلّا لزم الهرج والمرج في الفقه .
وتوهّم : انحلال الأحكام الكلّيّة القانونيّة المتوجّهة إلى المكلّفين إلى أحكام جزئيّةٍ بعدد المكلّفين ، متوجّهةٍ إلى كلّ واحد من آحاد المكلّفين « 1 » ، لا معنى له ، بل هو غير معقول ؛ أترى أنّه لو قال : « جاء الناس كلّهم » في الإخبار كذباً ، أنّه أكاذيب متعدّدة بعددهم ؛ لانحلاله إلى ذلك ؟ ! حاشا وكلّا ، بل هو كذب واحد ، وهو شاهد على فساد القول بالانحلال بالمعنى المذكور .
فتلخّص : أنّ الأحكام الصادرة من الشارع كلّية قانونيّة متوجّهة إلى جميع المكلّفين - العالم منهم والجاهل ، القادر منهم والعاجز - غاية الأمر أنّ العقل يحكم بمعذورية العاجز والجاهل القاصر في المخالفة ، وليس ذلك تقييداً لحكم الشارع كما عرفت .
الثالث : قد عرفت أنّ الأحكام الشرعيّة : إمّا لا يتصوّر فيها النظر إلى صورة التزاحم ، فضلًا عن بيان علاجه وأنّه لا يمكن ذلك ، وعلى فرض إمكانه - أيضاً - غير ناظرة إليها ؛ لأنّ بيان العلاج يحتاج إلى بيان زائد على بيان أصل الحكم ، كما يشهد بذلك الحسّ والوجدان .
الرابع : أنّ القول بالترتُّب وتقييد الأحكام الشرعيّة بذلك فاسدٌ ؛ لوجهين :
أحدهما : أنّه لو جاز ذلك لزم جواز إزالة المكلّف قدرته وتعجيز نفسه باختياره ، لو فرض أنّ الأحكام مشروطة بالقدرة ؛ لأنّه - حينئذٍ - يصير مثل قوله :
« قصّر إن كنت مسافراً » أو « صلّ أربع ركعات إن كنت حاضراً » ، فإنّه يجوز السفر والتقصير في الصلاة ، فكما يجوز ذلك لزم أن يجوز للمكلّف تعجيز نفسه ؛ لأنّ الحكم
هامش
( 1 ) - فوائد الأصول 1 : 551 .