عديدة يتحقّق بفعل بعضٍ منها ، وينتفي في البعض الآخر ، ولا ريب أنّ البعض الذي لم يقع فيه الاستباق أيضاً من الخيرات ، وعلى فرض وجوب الاستباق إلى الخيرات يلزم أن لا يكون البعض الذي لم يتحقّق فيه الاستباق من الخيرات ؛ لمزاحمته مع الذي تحقّق فيه الاستباق ، وإذا انتفى أن يكون هذا من الخيرات لزم عدم وجوب الاستباق في البعض الذي يتحقّق فيه الاستباق ، وإذا انتفى الوجوب انتفت المزاحمة بين أفراد الواجب الموجبة لخروج بعضها عن حيِّز الوجوب ، فيتعلّق بها الوجوب جميعاً ، وبه يعود موضوع المسارعة .
وبالجملة : يلزم من وجوب الاستباق والمسارعة عدم وجوبهما « 1 » .
وفيه أوّلًا : أنّ ما ذكره إنّما يصحّ لو كان الاستباق والمسارعة بالنسبة إلى أفراد الواجب ، لكنّه ليس كذلك ، فإنّ معناهما هو الأمر بالمسارعة وسبق الغير إلى فعل الخيرات وأسباب المغفرة بالنسبة إلى أشخاص المكلّفين ؛ بحيث لو لم يبادر هو وبادر غيره إلى فعله صار هو محرُوماً عن الثواب المترتِّب عليه وآثاره ، وذلك كما عرفت إنّما يتحقّق في الواجبات الكفائية ، لا في أفراد الواجب كالصلاة والصوم ونحوهما .
وثانياً : أنّ ما ذكره - من استلزام الوجوب لعدمه - لا يستلزم خروج الخيرات عن كونها خيرات .
وثالثاً : لو سلّمنا ما ذكره ، لكنّه إنّما يصحّ فيما لو كان المطلوب واحداً ، وأمّا إذا تعدّد - كما إذا فرض للصلاة فردان أحدهما أفضل - فلا .
ورابعاً : قد عرفت أنّ التحقيق : أنّ الأوامر متعلّقة بالطبائع لا الأفراد ، وما ذكره إنّما يتمّ على الثاني لا الأوّل ، فالحقّ في الجواب هو ما ذكرناه ، مضافاً إلى أنّ مقتضى سياق الآيتين أنّهما للإرشاد والبعث إلى ما لا يستتبع مخالفته العقاب ، مع أنّه لو دلّتا على الوجوب لزم تخصيص الأكثر ؛ لخروج المستحبّات كلّها وكثير من
هامش
( 1 ) - بدائع الأفكار ( تقريرات العراقي ) 1 : 252 .