خروج عن المبحث .
الخامس : ما أجاب به صدر المتألّهين : وهو أنّ اتّصاف شيء بصفة من الصفات النفسانيّة إنّما هو باعتبار تعلّقها بنفس هذا الشيء لا مقيّداً بها ، مثلًا : معلوميّة الشيء للإنسان ومحبوبيّته أو مبغوضيّته أو أنّه مختار ومرادٌ له ، إنّما هو باعتبار تعلّق العلم والحبّ والبغض والإرادة به نفسه لا مقيّداً بها فكون الشيء مختاراً للإنسان أو مراداً له إنّما هو باعتبار تعلّق الإرادة والاختيار بنفس هذا الشيء لا باختياره وإرادته ، فلا يتعلّق الإرادة والاختيار بالإرادة والاختيار ، فالفعل الاختياري عبارة عمّا تعلّق به الإرادة والاختيار وإن كانا ذاتيّين ولا عن اختيار ، ثمّ لو تنزّلنا عن هذا البحث العقلي ، وراجعنا فيه الوجدان وحكم العرف والعقلاء ، فلا ريب في لوم العقلاء وذمّهم عبداً ارتكب ما هو مبغوض للمولى ، ومدحهم لو فعل ما هو محبوب له اختياراً ، وحكمهم باستحقاقه المثوبة ؛ كيف ؟ ! ونظام العالم وعيشُ بني آدم مبني على ذلك ، فإنكار حكم العقلاء باستحقاق العقاب والثواب والحسن والقبح ، وأنّ اللَّه يُدخل الجنّة من يشاء وإن كان عاصياً كافراً ، ويدخل النار من يشاء وإن كان عبداً مطيعاً مؤمناً يكذّبه الوجدان ، وعلى فرض تفوّههم بذلك لساناً يكذّبه عملهم .
مضافاً إلى أنّه لا ريب في الفرق في محيط العقلاء بين الفعل الصادر عن اختيار وإرادة وبين الصادر لا عن إرادة قطعاً ، وترتيبهم الآثار على الأوّل دون الثاني « 1 » انتهى محصّله .
أقول : لا بدّ من البحث في المقام في جهات :
الأولى : في بيان النسبة بين مقدّمات الفعل الاختياري ونفس الفعل الاختياري ، وهل هي نسبة العِلّية والمعلوليّة أو غيرها ؟
هامش
( 1 ) - الحكمة المتعالية 6 : 388 .