بهذه الأغراض ، بل غرضه تعالى نفسه ، فحبّه تعالى للغير لحبّه نفسه وذاته تعالى ، فذاته المقدّسة معلولة لفعله ، والنتائج المترتّبة على أفعاله العائدة إلى الغير من الفوائد ، لا من الأغراض والعلل الغائيّة ، فإنّ سائر الموجودات ليست شيئاً في قبال وجوده تعالى ، ليس لها استقلال في الوجود ، بل وجود متدلٍّ ، ومعنىً حرفي ، وصرف الربط ، وفانية فيه تعالى .
فما يتراءى من الاصوليّين من قولهم : إنّه يحصل الغرض بفعل كذا ، ولا يحصل لو لم يفعل « 1 » ، لا بدّ وأن يحمل على الأوامر العرفيّة ، وإلّا فهذا التعبير بالنسبة إلى أوامره وأفعاله تعالى غير صحيح ، صادرٌ عن غفلة عن استلزامه سلبَ الإرادة عنه تعالى ، وهو باطل بالضرورة ، بل معنى إرادته إحداثه ، وأنّه لا يتخلّل بين إرادته وفعله ما يتخلّل بينهما في غيره تعالى ، كتحريك العضلات نحو الفعل ، بل يوجد بمجرّد إرادته .
نعم : إرادة غيره تعالى من سنخ إرادته ، إلّا أنّ إرادة غيره تعالى مرتبة نازلة منها ، وكذلك كلام اللَّه المنزل على قلب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فإنّه ليس بصوت يُسمع ولا لفظ يقرع ، لكن يتنزّل عن مرتبته ، حتّى نزل على قلبه صلى الله عليه وآله وسلم ، ويتنزّل حتّى صار لفظا وصوتاً . وهذا أحد معاني تحريف القرآن الذي ورد في بعض الأخبار أو البطون السبعة أو السبعين « 2 » .
فتلخّص : أنّ استدلالَ الأشاعرة لتغاير الطلب والإرادة بالأوامر الامتحانيّة ، غيرُ صحيح .
واستدلّوا أيضاً : بأنّه لا شبهة في أنّ الكفّار والعصاة مكلّفون بالتكاليف الشرعية قطعاً ، وحينئذٍ فإمّا أنّ أمره تعالى لهم بها عن إرادة فيلزم تخلّف المراد عنها ،
هامش
( 1 ) - انظر مقالات الأصول 1 : 85 .
( 2 ) - انظر تفسير الصافي 1 : 52 .