وأمّا تفويض الأمر إلى العلّة الأولى من الممكنات ؛ بحيث تتمكّن من طرد جميع الأعدام المتطرّقة إلى معلولها ، فهو أيضاً محال ، فإنّ جميع ما سوى اللَّه من الموجودات الممكنة أظلال غير مستقلّة وصرف ربط وفقر بالذات ، كما لا يخفى على من لاحظ كيفيّة ارتباط المعلول بالعلّة ، فإذا كان غيره تعالى من الموجودات كذلك امتنع انقلابها إلى الغني بالذات بحيث يصير مستقلّاً تامّاً كاملًا
« يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ »
« 1 » .
والحاصل : أنّ انقلاب الممكن بالذات إلى الغني بالذات مستحيل ، وإلّا لزم الشرك وتعدّد الواجب بالذات ، ولهذا ورد في بعض الأخبار : أنّ القائل بالتفويض مشرك « 2 » ، وما ذكرناه مبني على المذهب المنصور الموافق للتحقيق ؛ من القول بأصالة الوجود واعتباريّة الماهيّة ، وعلى بساطة الوجود واشتراكه ، كما حقّق في محلّه « 3 » وأنّ وجود جميع الممكنات بسيط غير مركّب من الهيولى والصورة ؛ كي يقال بتبديل الصورة عند الانقلاب إلى الوجود ، فهذا المذهب ضروري البطلان والفساد ؛ أي مذهب التفويض .
وأمّا المذهب الآخر : أي الجبر ، فهو أيضاً مخالف للبراهين العقليّة ، وليس المقام محلّ بسط الكلام فيه ؛ لخروجه عن البحث الأصلي ، لكن نشير إليه إجمالًا ، فنقول :
قد عرفت : أنّ الموافق للتحقيق هو القول بأصالة الوجود ، وأنّه بسيط غير مركّب من الجنس والفصل ، وليس من الأنواع ومقولًا بالتشكيك ذا مراتب متفاوتة مختلفة في النقص والكمال ، سواء كان مادّيّاً أم ملكوتيّاً مجرّداً ، كلّ ذلك بالبراهين القطعيّة العقليّة عليها المذكورة في محلّها ، فوجود الأعراض ناقص بالنسبة إلى ما فوقه ،
هامش
( 1 ) - فاطر ( 35 ) : 15 .
( 2 ) - بحار الأنوار 5 : 11 / 18 أبواب العدل من كتاب العدل والمعاد .
( 3 ) - انظر شرح المنظومة ( قسم الفلسفة ) : 10 و 15 ، الحكمة المتعالية 1 : 50 .