الجسميّة متصوّراً بصورةٍ ، تعالى اللَّه عن ذلك ، وإلّا فلا يمكن إثبات التكلّم له بمعناه المتصرّم المتدرّج في الوجود المحتاج إلى الفاعل للتكلّم المتدرّج وإلى الإرادة التدريجية المستلزمة للحدوث ، المستلزم للإمكان تعالى اللَّه عنه علوّاً كبيراً .
وأمّا ما ذهب إليه الفلاسفة فهو أيضاً فاسد ؛ لأنّ إيجاد الكلام والصوت في الشجرة ونحوها كإيجاده باللسان ، يحتاج إلى إرادة جديدة ، فيلزم وقوعه تعالى محلّاً للحوادث ، وهو محال ، فلا يمكن إثباته له تعالى .
وبالجملة : لو أمكن إثبات صفة التكلّم ونحوه بمعنى لطيف دقيق ، هو كمال مطلق له تعالى - كما ذكرناه - فهو ، وإلّا فلا يمكن إثباتها له بالمعاني التي ذكروها له تعالى ، بل نسلبها عنه تعالى .
ثمّ إنّ ما أجاب به في « الكفاية » : عمّا استدلّ به الأشاعرة لمذهبهم من الأوامر الامتحانية ، كما عرفت بيانه : بأنّ كلّ واحد من الطلب والإرادة على قسمين : حقيقي وإنشائي ، إلّا أنّ المنصرِف إليه الإطلاق من الإرادة هو الحقيقي منها ، والمنصرف إليه من الطلب هو الإنشائي منه ، وهذا لا يوجب تغايرهما ، وأنّ الموجود المتحقّق في الأوامر الامتحانيّة هو الإنشائي منهما دون الحقيقي « 1 » .
ففيه ما لا يخفى : لوضوح عدم صحّة التقسيم المذكور ؛ إذ الإرادة والطلب ينحصران في الحقيقي ، ولا معنى للإنشائي منهما ؛ إذ إنشاؤهما عبارة عن اعتبارهما ، والاعتباريّات عند العقلاء محصورة ، كالبيع والصلح وغيرهما من العناوين الاعتباريّة ، وليس الطلب والإرادة منها ، فالتقسيم المذكور نظير تقسيم الإنسان والحجر إلى الحقيقي والاعتباري .
والعجب منه قدس سره حيث إنّه جمع بين القولين ، وجعل النزاع بينهما لفظيّاً ؛ حيث قال : ويمكن ممّا حقّقناه أن يقع الصلح بين الطرفين ولم يكن نزاع في البين ؛ بأن
هامش
( 1 ) - انظر نفس المصدر .