يكون المراد من حديث الاتّحاد ما عرفت من العينيّة مفهوماً ووجوداً حقيقيّاً وإنشائيّاً ويكون المراد بالمغايرة والاثنينيّة هو اثنينيّة الإنشائي من الطلب ، كما هو كثيراً ما يُراد من إطلاق لفظه ، والحقيقي من الإرادة ، كما هو المراد غالباً منها ، فيرجع النزاع لفظيّاً فافهم « 1 » انتهى .
فإنّ توهّم التوفيق والصلح بين مذهبي الأشاعرة والمعتزلة ممّا لا سبيل إليه .
والأولى في الجواب عن استدلال الأشاعرة أن يقال : إنّه لا بدّ من ملاحظة وجه الفرق بين الأوامر الامتحانية وغيرها ، وأنّ الفرق بينهما ذاتي ، أو من جهة مقدّمات الإرادة ، أو من جهة الدواعي ؛ فإنّ كلّ فعل اختياري صادر من عاقل كالأمر بضرب زيد - مثلًا - فهو مسبوق بمقدّمات ولو بنحو الارتكاز :
إحداها : خطور ذلك في الذهن وتصوّره .
وثانيها : ملاحظة أنّ فيه مصلحة أو مفسدة ومنفعة أو مضرّة .
وثالثها : اختياره ما فيه المصلحة وترك ما فيه المفسدة .
ثمّ إن لائم ذلك طبعه وناسب نفسه حصل له الاشتياق وكلّما كان أكثر ملائمة لنفسه كان الاشتياق إليه أشدّ ، كشرب الماء بالنسبة إلى من غلبه العطش ، ثمّ يحصل إرادة ذلك الفعل ، وإن لم يلائم نفسه وطبعه امتنع الاشتياق إليه ، ومع ذلك قد يختار الفعل ، وتتحقق الإرادة ؛ لوجود مصلحة فيه ، كما في شرب المريض الدواء المُرّ النافع لمرضه أو قطع يده لدفع سراية المرض المهلك ، ونحو ذلك .
فظهر من ذلك : أنّ الشوق الأكيد غير الإرادة ؛ لما عرفت أنّه كثيراً ما يريد الإنسان فعلًا من دون أن يشتاق إليه ، فضلًا عن الأكيد منه ، كما في الأمثلة المذكورة ، وكلّ واحدة من المقدّمات المذكورة أيضاً غير الأخرى ؛ لأنّها من مقولات مختلفة فالخطور فعل أو انفعال على خلاف فيه ، وكذلك التصديق بالفائدة والاختيار من
هامش
( 1 ) - المصدر السابق : 87 .