النفسانيّة المعروفة شيئاً آخر يسمّى بالطلب « 1 » .
وفيه : أنّ عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود ؛ إذ ربّما يوجد في صُقع النفس قوًى غير مُدرَكة لنا ، مضافاً إلى أنّه - مع الإغماض عن ذلك - قياس ذاته تعالى على غيره تعالى - وأنّ كلّ ما هو كمال لنا فهو كمال أيضاً له تعالى ، وأنّ كلّ ما هو نقص بالنسبة إلينا فهو نقص بالنسبة إليه - باطل .
والتحقيق في المقام : هو أنّ مرجع الصفات الثابتة له تعالى التي هي كمال مطلق ، وصفات للوجود بما أنّه موجود أيضاً إلى الوجود ، وأمّا ما هي صفة للموجود المحدود لا بما أنّه موجود ، فليست كمالًا مطلقاً ، بل هي نقص بالنسبة إليه تعالى .
فهنا دعويان :
إحداهما : أنّ مرجع ما هو كمال مطلق من الصفات إلى الوجود الصرف ، الثابتة للوجود بما أنّه موجود .
وثانيتهما : أنّ الصفات الثابتة للموجود بما أنّه موجود محدود ، ليست كمالًا مطلقاً .
وهاتان الدعويان مُبتنيتان على القول بأصالة الوجود التي هي اسّ كلّ المعارف ، فالكمال الحقيقي هو الوجود المطلق ، وكلّ ما كان مرجعه إليه فهو كمال مطلق ، وما لم يرجع إليه فلا ؛ إذ هو - حينئذٍ - إمّا العدم وإمّا الماهيّة ، وهي أمر اعتباري ، ليست كمالًا للوجود بما أنّه موجود ، فلا يمكن إثبات الصفات التي لا ترجع إلى الوجود له تعالى ، إذ هي - حينئذٍ - إمّا العدم أو الماهيّة ، وإثباتها له تعالى نقص لا كمال .
فتحصّل : أنّ الكمال الحقيقي هو الوجود المطلق المجرّد الثابت للوجود بما أنّه موجود ، وليس الثابت فيه غير المثبت له ، بل هو عينه ، ومن يُثبِت له تعالى الصفات على نحو إثباتها لغيره تعالى ، فلا بدّ أن ينزل الوجود المطلق عن مرتبته إلى حدّ
هامش
( 1 ) - انظر كفاية الأصول : 85 - 86 .