وأمّا الآيات والأخبار الواردة في الأخلاقيّات والمعارف والتوحيد ، فلا يصحّ تنزيلها على الفهم العرفي بالتمسّك بظاهرها ؛ إذ ربما يؤدّي ذلك إلى فساد الاعتقاد والإلحاد والزندقة ، كقوله تعالى :
« وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا »
« 1 » ، وقوله تعالى :
« وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً »
« 2 » ونظائرها ، فإنّه لا يجوز حملها على ما هو المفهوم منه عند العوامّ والعرف ، مثل المفهوم من قولك : « تكلّم زيد » و « جاء عمرو » بل لا بدّ من حملها على ما هو المفهوم منها عقلًا ؛ بإعمال الدقّة العقليّة ، كما ورد في بعض الأخبار :
أنّ الآيات النازلة في أوّل سورة الحديد إنّما هي للمتعمّقين في آخر الزمان « 3 » ، وهي قوله تعالى :
« هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ »
« 4 » إلى آخر الآيات وهكذا الآيات الدالّة على أنّه تعالى متكلِّم عالم قادر ،
« وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ »
« 5 » ونحوها ، فإنّ الأخذ بظاهرها بمفهومه العرفي يؤدّي إلى الإلحاد والكفر .
وأمّا ما ذهب إليه بعض من أنّ المراد هو الكلام النفسي الحالّ فيه تعالى ، أو القائم به ، أو إيجاد الكلام والصوت في الأجسام « 6 » ، أو أنّ كلامه تعالى فعله ، فكلّها باطلة ؛ لاستلزامها الحدوث والنقص والإمكان بالنسبة إليه تعالى ، ووقوعه تعالى محلًا للحوادث ، كالقول بأنّ المراد هو الكلام اللّفظي الصادر منه تعالى القائم به تعالى ، فالقول بذلك كلّه يؤدّي إلى فساد العقيدة والإلحاد في ذاته تعالى .
نعم : الالتزام والاعتقاد بثبوت الأوصاف المذكورة في الأخبار والآيات له تعالى ، بما لها من المعاني الممكنة في حقّه تعالى وإن عجزت عقولنا وقصرت أفهامنا
هامش
( 1 ) - الفجر ( 89 ) : 22 .
( 2 ) - النساء ( 4 ) : 164 .
( 3 ) - الكافي 1 : 72 / 3 .
( 4 ) - الحديد ( 57 ) : 3 .
( 5 ) - الحديد ( 57 ) : 4 .
( 6 ) - تلخيص المحصّل : 289 ، انظر كشف المراد : 224 .