وهذا النزاع بمكانٍ من السخافة ، خصوصاً مذهب الكوفيين ؛ إذ لا معنى لانحفاظ الفعل في ضمن جميع المشتقّات حتّى المصدر ، بل وكذا مذهب أهل البصرة ، لكن يمكن حمله على أنّ المراد أنّ ما وضع له اللّفظ أوّلًا هو المصدر ، ثمّ اشتقّت منه الأفعال والأوصاف بدون انحفاظ المصدر في ضمنها .
ولهذا سلك المتأخِّرون طريقاً آخر : حيث ذهبوا إلى أنّ مادّة المصدر مجرّدة عن جميع الحركات والسكنات والهيئات ؛ بنحو اللّابشرط إلّا من حيث ترتيب حروفه من التقدّم والتأخّر ، موضوعة لنفس طبيعة الحدث ، ثمّ اشتقّت منها الأفعال والأوصاف بهيئاتها المختلفة ، فوضع المادّة نوعي بما أنّها مادّة لإحدى هذه الهيئات ، وكذلك وضع الهيئات من حيث إنّها موضوعة لمعانيها بما أنّها هيئة إحدى هذه المواد « 1 » .
ويمكن الإشكال عليه أيضاً :
أوّلًا : بأنّ المادّة مجرّدة عن جميع الحركات والسكنات والهيئات ، ليست من عداد الألفاظ المعتمدة على مخرج الفم ، فلا معنى للنزاع في أنّها موضوعة لكذا أو كذا ، ثمّ اشتقاق الأفعال والصفات منها .
وثانياً : أنّ ذلك يوجب عدم الفرق بين المصدر واسم المصدر ، فإنّ الثاني أيضاً موضوع لنفس طبيعة الحدث كالأوّل .
وثالثاً : ما ذكره مستلزم لأن يكون مثل « ضغروب » و « ضكروب » ونحوهما - ممّا يتخلّل بين حروف المادّة حرف غير مربوط ، مع حفظ ترتيب حروف أصل المادّة أيضاً دالّاً على الحدث الموضوع له ؛ إذ المفروض أنّ المادّة مأخوذة ومحفوظة فيه بنحو اللّابشرط من هذه الجهة ، وإلّا فلا بدّ أن يكون مضروب أيضاً مهملًا لتخلّل الواو بين حروفه .
هامش
( 1 ) - فوائد الأصول 1 : 99 ، بدائع الأفكار ( تقريرات العراقي ) 1 : 156 ، أجود التقريرات 1 : 60 - 61 .