وأمّا ما ذكره : من أنّ الوضع عبارة عن جعل اللّفظ مرآةً لتصوّر المعنى وعنواناً فانياً فيه ، فقد أشرنا سابقاً إلى أنّ الوضع ليس إلّا عبارة عن تخصيص اللّفظ بالمعنى ؛ بحيث لو أراد المتكلّم إفهام المخاطب ذلك المعنى جعله وسيلةً إلى إفهامه به ، لا فانياً فيه ؛ لأنّ كلّ واحدٍ من اللّفظ والمعنى متصوّر وملحوظ للمتكلّم في مقام الاستعمال .
نعم : قد يتّفق الغفلة وعدم الالتفات إلى اللّفظ حين الاستعمال لكمال توجّه النفس إلى المعنى ، وأمّا أنّه كذلك دائماً فلا .
الوجه الثاني : أنّ الوضع عبارة عن جعل الملازمة بين اللّفظ والمعنى في الذهن ، أو جعل ما يلازم هذه الملازمة بينهما ، فإذا فرض وضع لفظ لمعنيين : فإمّا أنّه فانٍ في كلّ واحدٍ من المعنيين معاً ، وينتقل السامع إليهما معاً دفعةً واحدة ، وهو محال ، وإمّا أنّه فانٍ في أحدهما الغير المعيّن ، فهو غير متصوّر ، وإمّا فانٍ في أحدهما المعيّن ، فهو المطلوب « 1 » .
أقول : وهذا الوجه قريب من الأوّل ، ويرد عليه ما مرّ من أنّ الوضع ليس إلّا ما عرفت ، لا جعل اللّفظ فانياً في المعنى .
أدلّة القائلين بوجوب الاشتراك
واستدلّ القائلون بوجوب الاشتراك : بأنّ المعاني غير متناهية ، والألفاظ والتراكيب المؤتلفة منها متناهية ، والحاجة ماسّة إلى تفهيم المعاني بالألفاظ ، ولا يمكن ذلك إلّا بالاشتراك ، وذلك واضح « 2 » .
وفيه : أنّه إن أريد من عدم التناهي معناه المصطلح - أي ما لا نهاية له حقيقة - ففيه :
هامش
( 1 ) - انظر تشريح الأصول : 47 .
( 2 ) - بدائع الأفكار ( تقريرات العراقي ) 1 : 145 .