أن يكون المعنى آلةً للحاظ اللّفظ ودالًا عليه ، وهذا باطل قطعاً ، فلا بدّ أن يريد تعلّق اللحاظ أوّلًا باللّفظ ، ثمّ الانتقال منه إلى لحاظ المعنى ، وهو صحيح ، لكن امتناع الاستعمال عليه مبني على توقّف ذلك على لحاظ اللّفظ مرّتين أو مرّات ، وهو ممنوع ؛ لأنّه لا استحالة للحاظ اللّفظ مرّةً واحدة وجعله مرآةً لمعنيين أو أكثر ، ولم يقم على امتناعه دليل ولا برهان .
وما ذكره قدس سره : من استلزامه لذلك مجرّد دعوى لا برهان عليها ، كما أنّ العناوين المأخوذة في متعلّق الأحكام كذلك ، كلفظ « العلماء » في قوله : « أكرم العلماء » ؛ حيث جعل اللّفظ في استعمال واحد مرآة لجميع الأفراد الكثيرة بلحاظٍ واحد ، ولا ينبغي الارتياب في ذلك ، وكما أنّ الموجودات الكثيرة المختلفة تكوّنت بإيجادٍ واحد ، كذلك يقدر الإنسان على إيجاد امورٍ متعدّدةٍ في صُقْع النفس بلحاظٍ واحد ، وكما تُبصر النفس بالعين الباصرة أكثر من واحد باستعمالٍ واحد ونظرةٍ واحدة .
استدلالات ضعيفة على الامتناع
واستُدلّ للامتناع أيضاً بوجوهٍ اخر كلّها مخدوشة :
الأوّل : ما يمكن استظهاره من صدر عبارة « الكفاية » : وهو أنّ الاستعمال ليس عبارة عن جعل اللّفظ علامةً للمعنى ، بل هو عبارة عن إفناء اللّفظ في المعنى ، ويمتنع إفناء شيءٍ واحد في شيئين « 1 » .
وفيه : أنّه إن أراد به الإفناء الحقيقي بأن يصير اللّفظ نفس المعنى ومتّحداً معه في نفس الأمر ، فهو ممنوع ؛ إذ الاستعمال ليس كذلك .
وإن أراد به الإفناء اللحاظي ؛ بمعنى أنّ المتكلّم حيث إنّه غير ملتفت إلى اللّفظ حين الاستعمال ، بل توجّهه التامّ إلى المعنى ، واللّفظ مغفول عنه ، فكأنّ المعنى هو الملقى
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 53 .