استدلال صاحب « الكفاية » على الامتناع
فذهب في « الكفاية » إلى الامتناع ، وحاصل ما أفاده في الاستدلال على ذلك بتوضيح منّا : هو أنّ حقيقة الاستعمال ليست عبارة عن مجرّد جعل اللّفظ علامةً للمعنى ، وإلّا لم يكن ريب في الجواز ؛ لوضوح جواز جعل شيء واحد علامةً لأمرين ، بل هي عبارة عن جعله عنواناً ووجهاً للمعنى ، بل بوجه نفسه كأنّه الملقى إليه ، ولذا يسري قبحه وحسنه إليه كما لا يخفى ، ولا يكاد يمكن جعل اللّفظ كذلك إلّا لمعنىً واحد .
والحاصل : أنّ استعمال اللّفظ المشترك في أكثر من معنىً يؤدّي إلى اجتماع الضدّين ، الذي هو من الممتنعات البديهيّة ، بل مرجع كلّ محالٍ إليه ، كما ثبت في محلّه ، وذلك لأنّ استعماله في المعنيين يستلزم لحاظهما ، ويلزم من لحاظ كلٍّ منهما لحاظ اللّفظ تبعاً ، فيلزم اجتماع اللحاظين في اللّفظ ، فإذا كان اللحاظ متعدّداً فالملحوظ أيضاً كذلك ؛ لعدم الفرق بين اللحاظ والملحوظ إلّا بالاعتبار ، كالفرق بين العلم والمعلوم ، فيلزم أن يكون اللّفظ الواحد الملحوظ لفظين ذهنيّين ، وهو محال « 1 » .
وقد يقرّر ذلك ببيانٍ آخر : وهو أنّ الاستعمال عبارة عن جعل اللّفظ آلةً للمعنى ، وجعله كذلك يتوقّف على لحاظه ، فاستعماله في المعنيين باستعمال واحد مستلزم للحاظه مرّتين ، فيلزم أن يكون متعدّداً وواحداً ؛ لما مرّ « 2 » .
أقول : ما ذكره من تبعيّة لحاظ اللّفظ للحاظ المعنى إن أراد به أنّ اللحاظ يتعلّق أوّلًا وبالذات بالمعنى ، وثانياً وبالعرض باللّفظ ، نظير تبعيّة حركة جالس السفينة لحركة السفينة ، فمن الواضح أنّه ليس كذلك .
وإن أراد بها أنّ الملحوظ أوّلًا هو المعنى ، ثمّ ينتقل منه إلى لحاظ اللّفظ ، فيلزم
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 53 .
( 2 ) - انظر نهاية الدراية 1 : 64 .