وطبيعيّها ، مع عدم تبيّن تلك الطبيعة للواضع مفصَّلًا جنساً وفصلًا ، بل كانوا ينتقلون من الفرد إلى الكلّي وجامعة الارتكازي من دون افتقار إلى معرفة كنهه وحقيقته ، فإنّه لا يتيسّر ذلك إلّا للخواصّ من الحكماء ، وحينئذٍ فمن الممكن أنّ الواضع لمّا رأى فرداً من الصلاة يصلّيها مسلم التفت إلى أنّ لها صورة نوعيّة إجمالًا وطبيعة جامعة لشتات أفرادها المختلفة كمّاً وكيفاً ، فوضع لفظ الصلاة لتلك الصورة النوعيّة المعلومة إجمالًا لا تفصيلًا جنساً وفصلًا ، ولا يضرّ في ذلك اختلاف أفرادها كمّاً وكيفاً ، كما لا يضرّ ذلك في مثل الطيّارة والسيّارة والبطّيخ ونحوها ، فللمستدلّ أن يدّعي تبادر هذا المعنى الإجمالي الارتكازي في أذهان العرف والعقلاء وصحّة السلب عن الفاقدة لبعض الأجزاء ، ولا يتوجّه عليه الإشكالات المتقدّمة .
لكن هذا مجرّد تصوّر ، وأنّه ممكن ، وليس بممتنع ، لكن الواقع خلافه ؛ إذ لا شبهة في أنّ المتبادر من لفظ الصلاة هو الأعمّ ؛ أي الطبيعة لا بشرط الصحّة والفساد ، كما أنّ المُتبادر من لفظ البطّيخ ونحوه أيضاً ذلك .
في أدلّة الأعمّي
واستدلّ للأعمّي أيضاً بوجوه :
الأوّل : التبادر « 1 » : وهو حقّ لا غبار عليه ، كما أشرنا إليه .
الثاني : استحالة وضعها للصحيح فيما لو نذر ترك الصلاة في مكان مكروه « 2 » وبيان هذا الاستدلال يحتاج إلى تقديم مقدّمة ، وهي :
أنّه لمّا كان الغرض من الأوامر والنواهي هو البعث إلى الإتيان بالمأمور به ، والزجر عن فعل المنهي عنه ، فلا بدّ أن يكون متعلّق الأمر والنهي مقدوراً للمكلّف ؛
هامش
( 1 ) - الفصول الغرويّة : 47 ، مطارح الأنظار : 14 ، درر الفوائد : 49 .
( 2 ) - قوانين الأصول 1 : 51 ، الفصول الغرويّة : 48 ، مطارح الأنظار : 16 .