تشخيص صغراه ومقدّميته فيتوقف على إثبات مقدّمة حكمية وهي ثبوت العلل للأعدام على ما هو التحقيق ، كثبوته للموجودات وأنّ علة وجود كلّ شيء إن كان بسيطا كالنار للحرق فعدمه علّة تامّة للمعلول ، وإن كان مركّبا كالسير للحج فعدم كلّ جزء من أجزائه علّة تامة لعدم المعلول ، ولكن حكم المقدميّة من الوجوب وغيره إنّما يختص بما يستند إليه العدم استنادا فعليا لا شأنيا وما هو إلّا الصارف لسبقه على سائر المقدّمات المتكاثرة أو الغير المتناهية بناء على بطلان جزء لا يتجزى ، فإنّ أجزاء العلّة التامة لو انتفت تدريجا استند انعدام المعلول إلى انعدام الجزء الأوّل من أجزاء العلّة ولا تكون انعدام الأجزاء الباقية مؤثّرا في انعدام المعدوم وإلّا لزم انعدام المعدوم وتحصيل الحاصل .
فتبيّن من هذه المقدّمة أنّ علّة عدم الحرام وما يختص به حكم المقدميّة هو الصارف لا غير ، لاختصاص حكم المقدّمية بالمقدّمة الفعلية دون الشأنية .
ومن هنا يعلم أنّ شبهة الكعبي حيث زعم انتفاء المباح رأسا من جهة كونه مقدّمة لترك الحرام ناشئ عن الخلط بين المقدّمة الفعلية والشأنية وعدم التفطّن لاختصاص أحكام المقدّمية بالأولى دون الثانية .
نعم لو تحقّق فرض لا يمكن التخلّص بالصارف إلّا بالتشاغل بفعل اتّجه الحكم بكون الفعل علّة عدم الحرام واختصاص أحكام المقدّمية به ، كما في الساقط المحاذي لنفس محترمة إذا كان بحيث لا يمكنه التخلّص من الوقوع عليها إلّا بالتشبّث بحبل وشبهه ، وكذا فيما يمكن التخلّص بالصارف من دون التشاغل بفعل ، لكن كان الصارف ضعيفا بحيث يعلم أو يخاف وقوعه في المحرّم اختيارا بدونه ، لقوّة ما يجده في نفسه من الأمر الداعي إليه ، فيجب تقوية الصارف بالمجاهدة أو تضعيف الداعي بما يوجبه من الأفعال بحيث يقاومه الصارف الضعيف ، فيكون الفعل مقدّمة بدلية ، فيجب عليه على وجه التخيير .
تقريرات في أصول الفقه — صفحة 400
مساهمون: السيد عبد الحسين اللاري
ص٤٠٠