النار وبين غيره ، فيلتزم بمقالة الخصم في الأول فيجعل الأمر بالإحراق مثلا أمر بسببه مجازا كالإلقاء في النار ، ومرجع هذه الدعوى إلى منع كون السبب لحصول الاحتراق مثلا مصحّحا لإسناد الإحراق حقيقة ، وأنّه يتعيّن حينئذ أن يكون المراد فعل السبب مجازا ، وكلاهما ممنوع .
أمّا الأوّل فلأنّه لو تمّ لجرى في جميع الأفعال الصادرة بواسطة الأسباب فيسقط الفرق ، بل التحقيق أنّ معنى الإحراق التسبّب لوجود الاحتراق ولو بواسطة النار ، فيكون إسناده إلى المكلّف حقيقة كإسناده إلى النار ، وعلى قياسه سائر الأفعال التي معناها التسبّب ، نعم ينبغي أن يستثنى من ذلك الأفعال التوليدية التي هي فعل إنسان آخر باختياره ، فإنّ إسنادها إلى السبب مجاز كأمر السلطان للوزير ببناء دار أو فتح حصن ، فإنّ إسنادها إليه مجاز ، ومن هنا ترى الفقهاء يقولون بأنّ الوكيل على أمر ليس له توكيل غيره إلّا مع شهادة الحال عليه أو تصريح الموكّل به ، وأنّ من اجر نفسه على أن يعمل عملا مع الإطلاق ليس له أن يستنيب غيره عليه .
وأمّا قولهم بأنّ الأجير على عمل مع الإطلاق له أن يستنيب غيره عليه ، فمستنده إلى دليل خارجي .
ثمّ اعلم أنّ ثمرة القول بأنّ الأمر بالمسبّب عين الأمر بالسبب أمران :
أحدهما : لزوم المسبّب عند الإتيان بالسبب ، إذ هو المأمور به حقيقة لا غير ، والأمر بالمسبّب صوري ظاهري وليس مطلوبا أبدا فذو المقدّمة هو السبب .
وثانيهما : أنّ لازم هذا القول تعلّق الأمر بالأفراد لا الطبائع ؛ لأنّ الداعي على هذا القول في نظر قائله هو أنّ المسبّب غير مقدور للمكلف بلا واسطة ، والمقدور بلا واسطة هو السّبب كما يفهم من دليله ، وتعلّق الأمر بما ليس مقدورا بلا واسطة غير جائز عقلا عنده .
فعلى هذا إن كان الكلّي الطبيعي غير موجود فلا معنى لتعلّق الأمر به أصلا ،
تقريرات في أصول الفقه — صفحة 397
مساهمون: السيد عبد الحسين اللاري
ص٣٩٧