تحرير مقدّمات حكمية يرتبط بها صحة بعض الأقوال وسقمها ومباني بعض الإيرادات ودفعها .
الأولى : أنّ ماهية التكليف هل هو الإرادة أو الإلزام والإنشاء الناشئ عنه ؟
وعلى الأوّل هل هو بمعنى الدواعي والعلم بالأصلح ، أو بمعنى ميلان النفس الناشئ عن ذلك ؟ وعلى الثاني هل هو طلب آني مرتبط بالزمان فيزول بزواله ، أو استمراري متجدّد بتجدّد الزمان ما دام المطلوب باقيا ؟ أقوال . والمشهور والمختار هو الإرادة بمعنى الداعي .
ويمكن التفصيل باعتبار المعنى الأوّل في تكليفاته تعالى وباعتبار غيره من سائر المعاني في تكليفات غيره بتقريب : أنّ تكليفاته تعالى من قبيل الإرشاديات الكاشفة عن المصالح الكامنة العائدة إلى نفس المكلّف لا المكلّف بخلاف تكليفات غيره .
لنا على المختار في معنى التكليف وهو الإرادة بمعنى الداعي ما قرّر في محلّه من أدلّة ملازمة التكليف لمجرّد درك الحسن أو القبح وإن لم يدرك الإلزام ، أو لبناء العقلاء على ذمّ العبد التارك محافظة مال مولاه وإنقاذ غريق أهله في معرض التلف ، وإن لم يتفطّن المولى لتركه ولم يسبق منه خطاب ، كما لو كان نائما وغائبا ، وليس ذلك إلّا لكون التكليف هو مجرّد الداعي والعلم بالأصلح ، لانتفاء ما عداه بالنسبة إلى غير المتفطّن .
أقول : وفيه نظر ، لأنّ تسليم كون تكليف غير المتفطن ليس إلّا مجرّد الداعي ، والعلم بالأصلح مبني على كونه تكليفا أصليا وفعليا ، وهو خلاف الضرورة والوجدان ، بل إنّما هو تكليف طبيعي شأني مركوز في الطبيعة ومحروز في خزانة الخيال بحيث لو تنبّه له لأراده ، وعلى ذلك فلا مانع من كونه غير الداعي والعلم بالأصلح من ميلان النفس والإلزام ، كما لا يخفى .
تقريرات في أصول الفقه — صفحة 384
مساهمون: السيد عبد الحسين اللاري
ص٣٨٤