النهي قرينة صرف النهي عن معناه الحقيقي وكونه لمجرّد رفع الأمر والرجحان عندنا ، من غير فرق بينهما .
وربّما يحكي الفرق بينهما عن بعض بإفادة النهي الواقع عقيب الأمر الحرمة دون إفادة الأمر الواقع عقيب النهي الوجوب مستندا في الفرق المذكور إلى وجهين :
أحدهما : أنّ النهي إنّما يقتضي الترك وهو موافق للأصل ، بخلاف الأمر ، لقضائه الإتيان بالفعل وهو خلاف الأصل ، فصرف الأمر عن الوجوب المخالف للأصل لا يقتضي صرف النهي عن الحرمة الموافقة للأصل .
والآخر : أنّ النواهي إنّما تتعلق بالمكلّف لدفع المفاسد ، بخلاف الأوامر ، فإنّها لجلب المنافع ، واعتناء الشارع بدفع المفاسد أكثر من جلب المنافع ، فما يكتفى به في صرف غير الأهمّ لا يلزم أن يكتفى به في صرف الأهمّ .
وفيه أنّ اتّحاد النهي مع الأمر في الانصراف ليس من مقتضيات المقايسة والمشاركة بينهما في الانشاء حتى يكافئه افتراقهما من الوجهين المذكورين ، بل إنّما هو من مقتضيات الدليل الاجتهادي من التبادر وفهم العرف الذي لا يكافئه ولا يقاومه شيء من الأصول .
[ الأمر الرابع : هل الأمر بالأمر أمر أم لا ؟ ]
وبعبارة أوضح : هل الأمر بالواسطة أمر من قبل الموسط ليكون الواسطة مأمورا بالتبليغ ، أو من قبل الواسطة ليكون مأمورا بإنشاء الأمر لا التبليغ ، وتوضيحه بالمثال الخارجي أنّ قول زيد لبكر : مر فلانا بأن يفعل كذا ، أو قل له : افعل كذا هل هو أمر لفلان بالفعل من قبل زيد ، أم ليس أمرا من قبله ، بل هو أمر من قبل بكر إذا أمره بكر ؟ وجهان ، بل قولان ، وتتمّ البصيرة برسم مقدّمات :
الأولى : أنّ محلّ النزاع إنّما هو فيما لو أطلق القائل لغيره : مر فلانا . وأمّا لو قيّده بقوله : مره من قبلي . فلا مجال لإنكار كونه أمرا من قبل الموسط لا الواسطة