قلت : أوّلا : لا دليل على كون المعنى المصدري من مقتضيات الإطلاق ، بل الدليل على خلافه تنصيصا ، وتحصيلا .
أمّا تنصيصا فلتصريح النحاة وغيرهم بأنّ المصدر ما دلّ على الحدث المجرّد عن الزمان لا الحدث المطلق حتى يكون التجرّد من مفاد إطلاقه ، ألا ترى قول ابن مالك الذي هو من أئمتهم :
المصدر اسم ما سوى الزمان من * مدلولي الفعل كأمن من أمن
وأمّا تحصيلا ، فلضرورة أنّ المعنى المتبادر من المصدر بسيط لا مركّب من مفاد المصدر . ومفاد الإطلاق .
وثانيا : أنّ عدم اعتبار أخذ المشتقّ منه في المشتقات يتصوّر على ثلاثة أوجه : أحدها : عدم أخذه فيها لا دالّا ولا مدلولا . وثانيها : عدم أخذ مدلوله فيها خاصّة مع أخذ الدال فيها . وثالثها : بالعكس .
أمّا الأوّل فيستلزم الوضع الشخصي في المشتقّات ، وقد عرفت فيما سبق كون وضعها نوعيّا لا شخصيّا . وأمّا كلّ من الثاني والثالث فيستلزم إمّا الوضع الشخصي أو الانفكاك بين الدال والمدلول وكلاهما باطل ، فتعين اعتبار أخذ المشتق منه في جميع تصاريف مشتقاته دالا ومدلولا ، وقد عرفت أنّه ليس ما يصلح أخذه في المشتقّات كذلك إلّا مادّة المصدر لا المصدر .
فإن قلت : إنّ فرض المشتق منه مادّة المصدر يستلزم الدور ، حيث يتوقّف وجوده على وجود المشتقّات ووجود المشتقّات على وجوده .
قلت : إن أريد من الوجود مطلق الاستعمال فمن البيّن أنّ التوقّف من طرف المشتقّات دون مادّة المصدر ، ألا ترى أنّ التنطيق بمادة المصدر وهو « ض ، ر ، ب » مثلا غير موقوف على التنطيق بأحد المشتقات وإن توقّف التنطّق بالمشتقات على التنطّق به ، وإن أريد من الوجود الاستعمال المقيّد فالتوقّف وإن كان من الطرفين ، إلّا