كذلك ، بل كان المتلقّى من المتكلّم ابتداء نفس الألفاظ وكان انتقال الذهن إلى المفاهيم بوساطتها .
وفيه : أنّ ما ذكر عبارة عن شدّة الكشف والمرآتية تكوينا وخارجا ، وهو غير الهوهوية والعينية أوّلا ، وليس من آثار الوضع ثانيا ، إذ هو مولود كثرة الاستعمال الموجبة لشدّة انس الذهن وسرعة الانتقال . وأمّا الحاصل بنفس الوضع فهو العلامية ، والشاهد عليه ما نراه في ابتداء تعلّم اللغات من الالتفات إلى الألفاظ أوّلا ثمّ إلى المعاني .
مضافا إلى أنّ وجود الهوهوية خارجا لو فرضنا أنّ سرعة الانتقال دليل عليه لا يكاد يحصل بإنشاء الهوهوية واعتباره ، بل يكون ناشئا من انس الذهن الحاصل بكثرة الاستعمال .
الثاني : أنّه جاء في الفلسفة أنّ للوجود مراتب أربع : الخارجي والذهني والكتبي واللّفظي ، ولو لم يكن بين اللّفظ والمعنى اتّحاد وهوهوية كيف يصير وجود اللّفظ وجودا للمعنى ؟ وحيث إنّ الاتّحاد ليس بوجداني وحقيقي فلا بدّ وأن يكون اعتباريا جعليا بوضع الواضع .
وفيه : أنّه صرف اصطلاح لم يقم عليه دليل ولا برهان ، بل البرهان والوجدان شاهدان على أنّ اللّفظ غير المعنى ووجود كلّ منهما يغاير وجود الآخر ، ولكن أحدهما علامة مجعولة بوضع الواضع على الآخر . وكيف يمكن أن يكون اللّفظ الذي هو من مقولة العرض متّحدا مع المعنى الذي هو إمّا جوهر أو عرض آخر يغاير سنخ اللّفظ الذي هو من سنخ الكيف المسموع .
ثمّ إنّهم جاءوا لتأييد المطلب بشاهدين : الأوّل : سراية الحسن والقبح من المعاني إلى الألفاظ . والثاني : أنّ الوضع تابع للاستعمال ، فكما لا يكون للألفاظ في مقام الاستعمال أهمّية واعتبار مستقلّا وإنّما يستفاد منها لصرف الحكاية عن
تحرير الأصول — صفحة 56
مساهمون: السيد محمد علي الموسوي الجزائري
ص٥٦