فيحتجّ العقلاء بعضهم على بعض بمخالفته لتعهده ومنهم الموالي والعبيد ، ولولا ذلك اختلّت أنظمة الكون ؛ لأنّها مادّيا ومعنويّا تدور مدار الجري على وفق هذه التعهّدات والالتزامات . ولا يتوهّم أنّ هذا دوريّ ، لأنّ العمل بالتعهّد يتوقّف على علم السامع بالوضع ، وإلّا لم يمكن تفهيم المعنى باللفظ في حقّه . وعلمه بالوضع يتوقّف على وجود الوضع . فلو توقّف الوضع على ذلك لدار ، لأنّا نقول : العمل بالتعهّد باستعمال اللّفظ في المعنى يتوقّف على ذلك كما قلت . وأمّا إنشاء التعهّد فهو سابق على الاستعمال ، ولا يتوقّف على شيء . وحقيقة الوضع عبارة عن ذلك فلا دور أصلا . واتّضح أيضا أنّ تقسيم الوضع إلى التعييني والتعيّني في محلّه ، إذ التعهّد المزبور إن كان ابتدائيا كان الوضع تعيينيّا . وإن كان مسبوقا بكثرة الاستعمال مجازا فهو تعيّني .
والذي يدلّ على هذا المختار أمور :
الأوّل : بطلان سائر الأقوال .
الثاني : أنّ ذلك موافق للغرض الباعث على الوضع ، فإنّ الإنسان يحتاج في تنظيم حياته إلى آلات يبرز بها مقاصده ، وحيث إنّ سائر الدوالّ قاصرة عن أداء ذلك فلا محالة تكون الألفاظ هي التي يستعملها في إبراز مراداته من المحسوسات والمعقولات ، وهي وافية بالحاجة ، ولذا خصّ اللّه الإنسان بنعمة البيان .
الثالث : أنّه موافق لمعناه اللغوي ، فإنّ الوضع في اللغة بمعنى الجعل والقرار ، ومنه وضع اللّفظ ووضع القوانين .
وفيه أوّلا : أنّه مبنيّ على بطلان سائر الأقوال كما صرّح قدّس سرّه به ، وسيأتي عدم تماميّة ذلك ، وقوّة احتمال أن يكون المجعول فيه العلامية والدالّية ، كما سيأتي تقريبه إن شاء اللّه تعالى .
وثانيا : كون الوضع عبارة عن التعهّد خلاف الوجدان ، فإنّ الإنسان لا يرى
تحرير الأصول — صفحة 58
مساهمون: السيد محمد علي الموسوي الجزائري
ص٥٨