سلّمنا بطلان الترجيح بلا مرجّح ، لكنّا نقول بكفاية أدنى مرجّح للخروج عن التساوي من دون حاجة إلى فرض المناسبة الذاتية ، كما نرى تسمية الولد باسم أحد الائمّة الطاهرين لقرب ميلاده ، أو بمعونة التفؤل بالقرآن الكريم ، أو السؤال من أوّل من يدخل عليه ، أو التسمية باسم أحد أقربائه لإحياء ذكره . . . وهكذا .
وثانيا : يستحيل ذلك ، لمكان دلالة بعض الألفاظ على الأضداد كالقرء ، فإنّها حقيقة في الطهر والحيض والجون للبياض والسواد ، وقد ألّف في ذلك ابن السكّيت كتابا سمّاه بالأضداد ، فكيف يمكن القول بالتناسب الذاتي بين الألفاظ ومعانيها بنحو تقتضي الدلالة عليها إمّا بنحو العلّية التامّة أو بنحو الاقتضاء ، لأنّ اقتضاء شيء للمتضادّين أيضا غير معقول ، كفرض اقتضاء النار للحرارة والبرودة .
وقيل بالجعل والاعتبار ، وهو المشهور والمذهب المنصور .
ومنهم من قال بهما ، أي بالجعل والاعتبار مع وجود المناسبة الذاتية ، وهو المحقّق النائيني قدّس سرّه . وحاصل مختاره حسب تقرير تلميذه المحقّق الخوئي قدّس سرّه « 1 » أوّلا أنّ الواضع هو اللّه تعالى . وثانيا مع وجود مناسبة ذاتيّة بين اللّفظ والمعنى مجهولة لنا معلومة له تعالى . وثالثا أنّه تعالى التزم بوضع اللّفظ للمعنى طبقا لتلك المناسبة الذاتية . ورابعا أنّ الوضع أمر متوسط بين التكويني والتشريعي ، فليس تكوينيا محضا حتّى يكون الإنسان مجبولا على إدراكه بنفسه ، كالعطش عند احتياج البدن إلى الماء ، والجوع عند احتياجه إلى الغذاء ، ولا تشريعيا محضا كي يحتاج إفهامه إلى إرسال الرّسل وإنزال الكتب ، بل يلهم اللّه عباده على اختلاف لغاتهم بلفظ مخصوص عند إرادة تفهيم معنى مخصوص .
هامش
( 1 ) أجود التقريرات : 11 و 12 .