مقدّمة لقسم مباحث الألفاظ يتضمّن أحد عشر أمرا
الأمر الأوّل في حقيقة الوضع
، هل دلالة الألفاظ على معانيها ذاتيّة لئلّا تحتاج إلى الوضع والجعل ، أو جعلية واعتبارية ؟ قيل بالأوّل .
وفيه أوّلا : إن كان المناسبة المفروضة بين اللّفظ والمعنى في حدّ العلّية التامّة فلازمه انتقال ذهن كلّ من يسمع اللّفظ إلى المعنى ، وهو باطل بالضرورة . وإن كان ذلك في حد الاقتضاء القابل للزوال بفقد الشرائط أو وجود الموانع ، فالجواب أنّه ادّعاء بلا دليل ، وما الذي يدلّ على وجود ذلك ؟
فإن قيل الدليل عليه هو استحالة الترجيح بلا مرجّح لولا المناسبة الذاتية ، إذ الألفاظ كثيرة والمعاني كثيرة والنسبة بينها على السويّة .
قلنا : المحال هو الترجّح بلا مرجّح ، أي رجحان وجود شيء على عدمه من دون مرجّح ، دون الترجيح بلا مرجّح ، لأنّ الترجيح يصدر من فاعل مختار ، ويكفي للمرجّحية نفس إرادته واختياره أحد المتساويين على الآخر ، فهو ليس بقبيح فضلا عن كونه محالا ، ألا ترى أنّ الجائع يختار أحد الرغيفين ، والسالك الحائر يختار أحد الطريقين إذا احتاج إلى أحدهما وكانا متساويين من جميع الجهات ؟