بخلاف فرض كون الموضوع ذوات الأدلّة بما هي هي ، إذ يكون البحث عن الحجّية حينئذ بحثا عن عوارضها . وأمّا صاحب الكفاية قدّس سرّه فلم يرتض واحدا منهما ، لأنّ البحث عن الحجّية ليس بحثا عن عوارض الأدلّة الأربعة مطلقا .
وذلك لأنّ المراد من السنّة التي هي من الأدلّة إن كان نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره - كما هو المصطلح فيها - فلا يبحث عن حجّيتها أصلا ، وإنّما البحث عن حجّية الخبر الحاكي لها . وأمّا رجوع البحث عن ذلك إلى البحث عن ثبوت السنّة الواقعية بالخبر الحاكي وبأيّ الخبرين في باب التعارض فغير مفيد .
والقائل هو الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه اللّه إذ المراد من الثبوت إن كان الثبوت الواقعي فهو مفاد كان التامّة وليس من العوارض وإن كان المراد منه الثبوت التعبّدي فهو من عوارض الخبر دون السنّة ، وإن كان المراد من السنّة ما يعمّ الحاكي فلأنّه وإن كان كافيا في دفع الإشكالات السابقة ، إلّا أنّه مع ذلك يبقى المجال لإشكالات أخر كمباحث الألفاظ ( وكمباحث الاستلزامات ) لأنّها غير مختصّ بالأدلّة وإن كان المهمّ معرفة أحوال الأدلّة كما لا يخفى ، مثلا البحث عن ظهور الأمر في الوجوب ليس بمعنى خصوص الأمر القرآني أو الحديثي .
وأمّا قوله : إنّ الثبوت التعبّدي ليس من عوارض السنّة المحكية فلعلّ توضيح مراده : أنّ المحمول في قضيّة الخبر الواحد حجّة هو المثبتية - بالكسر - وصيرورة السنّة بذلك مثبتا - بالفتح - يكون من لوازم القضية المبحوث عنها ، مثلا إن قلنا : الماء جار دلّ بالالتزام على كون الأرض مثلا مجرى للماء ، أفهل يعدّ ذلك بحثا عن عوارض الأرض باعتبار أنّها مجرى للماء ، أو إذا قلنا شهادة العدلين حجّة في الموضوعات أفهل يعدّ ذلك بحثا عن عوارض جميع الأشياء الخارجيّة ؟ والسرّ في المطلب هو أنّ لسان العلوم لسان الصراحة في البيان دون الكنايات والإشارات والمداليل الالتزامية .
تحرير الأصول — صفحة 42
مساهمون: السيد محمد علي الموسوي الجزائري
ص٤٢