وجوه الحمل على التعبّدية
الأوّل : ما عن العلّامة الكلباسي وهو أنّه لا شبهة في أنّ الأمر فعل اختياريّ للمولى ، وكلّ فعل اختياري لا يصدر من الفاعل إلّا بداع عقلائي . ولذا اشتهر على ألسنتهم أنّ الأمر عبارة عن إنشاء الطلب أو البعث بداعي إيجاد الداعي ، فإن أتى المكلّف بالعمل المأمور به بداعي أمره فقد حصل غرض المولى من الأمر وسقط الأمر ، وأمّا إذا أتى به بدواعيه النفسانيّة ، فغرض المولى من الأمر غير حاصل ولا وجه لسقوط الأمر حينئذ .
وعلى هذا فالأصل في كلّ واجب أن يكون تعبّديّا إلّا أن يقوم دليل من الخارج على كونه توصّليّا « 1 » .
وفيه : أوّلا : أنّه لا يمكن أن يكون الغرض من الأمر الداعويّة الفعليّة ، وإلّا كان إنشائه للكفّار والعصاة والمتمرّدين باطلا ؛ لانتفاء تحقّق الدعوة الفعليّة في حقّهم ، وهو خلاف الواقع .
فالصحيح أنّ ماهيّة الأمر إنشاء الطلب ، والداعي إلى إنشائه إمكان الداعويّة لا فعليّتها ، فلا يجب تحصيلها إذا لم تكن موجودة ، وأمّا الإمكان فهو مترتّب على الأمر ولا يتخلّف عن إنشائه دائما . وهذا لا ينافي حكم العقل بوجوب الموافقة العمليّة وقبح المخالفة العمليّة لأمر المولى ونهيه ، إذ يكفي فيه صرف العمل بالمأمور به وترك المنهي عنه بأيّ داع من الدواعي .
وأمّا ثانيا : فلأنّ العقل لا يحكم إلّا بوجوب الطاعة ، والطاعة فعل المأمور به ، والمفروض أنّ الأمر تعلّق بالعمل خاليا عن قيد الإتيان بالداعي الإلهي ، فغاية ما يقتضيه الأمر بحكم العقل هو الإتيان بمتعلّقه في الخارج وتحصيل الغرض
هامش
( 1 ) أجود التقريرات 1 : 114 .