وأمّا إن كان المراد ما يمكن به تمايز العلوم واتّحاد مسائلها ، فالتحقيق أنّه أحد أمور ثلاثة على سبيل منع الخلوّ ولا مانع من اجتماعها كلّا أو بعضا ، وهي موضوع العلم ، والجهة الجامعة بين محمولاته ، والغرض الداعي إلى وضعه .
والوجه في ذلك : أنّ متن العلم هو مسائله والمسائل في بادئ النظر أمور مختلفة موضوعا ومحمولا ، كقولنا : الفاعل مرفوع والمفعول منصوب ، ومع هذا التشتّت كيف يكون المركّب منها علما واحدا ؟ وما هو ملاك تلك الوحدة وتمايز ذلك الواحد عن غيره من العلوم ؟ وحيث إنّ المسائل متشكّلة من عناصر ثلاثة :
الموضوع والمحمول والنسبة ، والنسب من سنخ الوجودات الذهنية الحاكية عن الوجودات الخارجيّة وهي من قسم الوجود لا في نفسه فلا يتصوّر جامع بينها ، فلا محالة يكون ما به الوحدة هو الجامع بين موضوعات المسائل أو بين محمولاتها . ومع ذلك يمكن أن يكون التمايز بالغرض كما إذا فرضنا صعوبة تحصيل جامع بين الموضوعات أو المحمولات .
لكن هذا كلّه بالنسبة إلى المستعلم الذي يريد أن يفهم الوجه في تمايز العلوم بعضها عن بعض .
وأمّا في مقام تدوين العلم فالسابق على الجميع هو الغرض ، لأنّه الباعث الأوّلي على اختيار موضوع العلم من بين الموضوعات مع كثرتها وتنوّعها من المتباينات والمتداخلات .
مثلا إن اختار الكمّ المتّصل وهو الجسم التعليمي يصير الهندسة بأجمعه علما واحدا ومباحث السطح بابا من ذلك العلم . وإن اختار السطح موضوعا خرج منه مباحث الجسم المكعب وما يتعلّق بالعمق والارتفاع . والسنخية موجودة على كلّ تقدير . ولا فارق في البين إلّا الانتخاب الناشئ عن الغرض بحيث لو أغمضنا عن الغرض لم يبق مائز واقعي ، لإمكان كون الموضوع مثلا
تحرير الأصول — صفحة 33
مساهمون: السيد محمد علي الموسوي الجزائري
ص٣٣