تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحرير الأصول — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
بعض العلوم بالمحمولات كعلمي الفيزيا والكيميا ، فإنّ الأوّل يبحث عن الخواصّ الظاهرة للأجسام ، والثاني عن خواصّها الباطنة . لكن النقض بهما موقوف على أن يكون الموضوع في العلمين الأجسام والمحمول خواصّها ، وأمّا لو فرضنا أنّ الخواصّ بأنفسها صارت موضوعة للبحث ، فلا محالة يكون التمايز فيهما أيضا بالموضوع . والحاصل أنّ المتيقّن من سيرة السلف الاهتمام بالموضوعات وتميّز العلوم بها ، فإن لم يكن ذلك على سبيل الموجبة الكلّية فلا أقل من كونها الغالبية ولم يغمضوا عنها إلّا لضرورة دعت إلى ذلك ، والأمر سهل . وأمّا العلوم الأدبية - كاللغة والصرف والنحو والمعاني والبيان - فلم تكن من جملة تلك العلوم التي أسّسها الفلاسفة والطبقة الأولى من المحقّقين ، وموضوعها بأجمعها الكلمة والكلام ، والكلام مؤلف من الكلمة ، وتمايزها بالحيثيات الجامعة بين المحمولات ، فيبحث في النحو مثلا عن حيثية الإعراب والبناء ، وهي الجهة الجامعة بين محمولاته ، وفي المعاني والبيان عن جمال الكلام ولطافته لفظا أو معنى ، وهي أيضا جهة جامعة بين المحمولات . وأمّا ما يقال : من أنّ موضوع النحو مثلا هو الكلمة من حيث الإعراب والبناء فغير سديد ، لأنّ موضوع العلم ليس إلّا الجامع بين موضوعات المسائل ، والجامع بين تلك الموضوعات خالية عن هذا القيد ، وهذا القيد هو عين الجامع بين المحمولات . فالعلوم من حيث ذات الموضوع مشتركة ، وأمّا الحيثيّة المميّزة فهي منتزعة من المحمولات . لكنّها كما عرفت لا تكون نقضا على المدّعى ، لأنّها كانت خارجة عن الحوزة المزبورة . هذا كلّه إن كان المراد التمايز بين العلوم الموجودة بحسب الواقع الخارجي .