وتعالى عين فعله كما سيأتي الكلام فيها مفصّلا في تحقيق معنى إرادته تعالى وأنّها هل تكون من صفات الذات أو صفات الفعل ؟
وأمّا الإرادة من غيره تعالى فهي كيفيّة نفسيّة ، لا ريب في مغايرتها للطلب من الغير الذي قد عرفت أنّه عين إنشاء الطلب أو المنشأ المترتّب عليه .
وقد يستدلّ على مذهب الأشاعرة بأساليب أخرى :
منها : أنّ اللّه تبارك وتعالى وصف نفسه بالمتكلّم فقال :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
وصفات اللّه قديمة ، قائمة بذاته تعالى ، ولا يمكن أن تكون حادثة لامتناع قيام الحادث بالقديم .
نعم ، لا مانع من حدوث فعله . وحيث إنّ الكلام اللّفظي مؤلّف من حروف وأجزاء متدرّجة الوجود ، لا يعقل أن يكون قديما فيعلم أنّ ما وصف به تعالى هو الكلام النفسي وهو غير الكلام اللّفظي ، بل هو الأصل في الكلام والكلام اللّفظي صرف مبرز له .
ويرد عليه : أنّ صفاته تعالى على نوعين : الصفات الذاتيّة ؛ كالعلم والقدرة والحياة ، وهذه عين الذات وصفات الفعل ؛ كالخالق والرّازق والمحيي والمميت ، وهي منتزعة من فعله ، والفعل حادث ويتّصف الذات تارة بوجوده وأخرى بعدمه ، إذ له القدرة على فعلها وتركها ، والتكلّم من صفات الفعل دون الذات فلا يتمّ ما قيل : من أنّ صفاته تعالى كلّها قديمة ؛ لأنّ منها ما يكون حادثا وهي صفات الفعل المنتزعة من مقام فعله .
ومنها : أنّ الكلام كما يصحّ إطلاقه على الكلام اللّفظي ، كذلك يصحّ إطلاقه على الكلام النفسي الموجود في الذهن . ولذا يصحّ أن يقال في نفسي كلام لا أبديه لك ؛ ويشهد بذلك قوله تعالى :
وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ