المسموعة ، وتارة يطلقونه على المعنى القائم بالنفس الذي يعبّر عنه بالألفاظ ، ويقولون : هو الكلام حقيقة وهو قديم قائم بذاته تعالى ، ولا بدّ من إثباته فإنّ العرف لا يفهمون من الكلام إلّا المؤلّف من الحروف والأصوات .
فنقول : أوّلا : ليراجع الشخص إلى نفسه أنّه إذا أراد أن يتكلّم بالكلام فهل يفهم من ذاته أنّه يزوّر ويرتّب معاني فيعزم على التكلّم بها ، كما أنّ من أراد الدخول على السلطان أو العالم فإنّه يرتّب في نفسه المعاني . . . فهذا هو الكلام النفساني . وأمّا الدليل عليه فهو أنّ الألفاظ لها مدلولات قائمة بالنفس .
فنقول : هذه المدلولات هي الكلام النفساني . فإن قال الخصم : تلك المدلولات هي عبارة عن العلم بتلك المعاني ، قلنا : هي غير العلم ؛ لأنّ من جملة الكلام الخبر ، وقد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه ، بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه .
فإن قال : هو الإرادة ، قلنا : هو غير الإرادة ؛ لأنّ من جملة الكلام الأمر ، وقد يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده أهو مطيع أم لا ؟ وكالمعتذر من ضرب عبده بعصيانه ، فإنّه قد يأمره ، وهو يريد أن لا يفعل المأمور به ليظهر عذره عند من يلومه . وإن اعترض عليه : بأنّ الموجود في هاتين الصورتين ، صيغة الأمر لا حقيقته ، إذ لا طلب فيهما أصلا ، كما لا إرادة قطعا .
أقول : لا نسلّم عدم الطلب فيهما ؛ لأنّ لفظ الأمر إذا وجد ، فقد وجد مدلوله عند المخاطب وهو الطلب ولا بدّ من تحقّق الطلب عند الأمر ؛ لأنّ اختباره واعتذاره متوقّف على أمرين : الطلب وعدم فعل المأمور .
والغرض من نقل العبارة ؛ الاطّلاع على مرادهم بأنّ الطلب الذي يقولون بمغايرته للإرادة ليس مجرّد الطلب الإنشائي كما بنى عليه صاحب الكفاية رحمه اللّه بل الطلب النفسي المدلول عليه بالطلب اللّفظي .
وكذا الكلام النفسي في الإخباريّات ؛ فانّهم قالوا : بزيادته على العلم
تحرير الأصول — صفحة 303
مساهمون: السيد محمد علي الموسوي الجزائري
ص٣٠٣