وعليه فالمتّجه هو التفصيل بين قول الأشاعرة والمعتزلة في مسألة اتّحاد الكلام النفسي مع العلم ؛ بأنّ الحقّ ما ذهب إليه الأشاعرة في غير الباري تعالى ؛ لمغايرة علمهم مع الصور النفسية التي يتصوّرها المتكلّم قبيل تكلّمه مع الغضّ عن أنّ تسمية تلك الصور بالكلام النفسي باطل .
والحقّ ما ذهب إليه العدليّة من اتّحاد كلامه النفسي مع علمه ( تبارك وتعالى ) ؛ لأنّه ( تعالى شأنه وتقدّست أسمائه ) لا يحتاج في مقام خلق الألفاظ والأصوات إلى إحضار المعلومات وإخطارها ، زائدا على علمه بها ؛ لأنّ علمه المحيط الحضوري ضروري البقاء له ، بل علمه بالأشياء بعين حضورها لديه ، لا يتصوّر صورها كما هو واضح . فاتّحاد ما سمّوه بالكلام النفسي في حقّه تعالى مع علمه الأزلي من أوضح الواضحات .
هذا بالنسبة إلى اتّحاد الكلام النفسي المزعوم مع العلم . وأمّا اتّحاد الطلب مع الإرادة ففيه : أنّ محلّ الكلام هو الطلب الذي يكون شعبة من الكلام ، فطلب النفس أي تصدّي الإنسان لإيقاع فعل في الخارج ، خارج عن محلّ الكلام .
والذي يكون محلّا للكلام هو الطلب من الغير إنشاء . وكونه مغايرا للإرادة أمر بديهيّ ؛ لأنّ الإرادة كيفيّة نفسيّة من الأمور الواقعيّة ، والطلب المنشأ سنخ وجوده إنشائي ومتأخّر عن استعمال اللّفظ في المعنى . وأمّا الطلب بمعنى التصدّي ، فإنّما ينطبق في المقام على نفس الإنشاء وهو استعمال اللّفظ بداعي إيجاد المعنى في عالم الإنشاء ؛ لأنّ الذي يتصدّى لإصدار الفعل من الغير اختيارا لا يقدر على أزيد من ذلك في مقام بعثه ، فهو مصداق التصدّي .
وعلى كلّ تقدير ، فالطلب إمّا نفس الفعل ، وإمّا أمر مسبّب عنه ومتأخّر منه فلا ريب في كونه مغايرا للإرادة مفهوما ، وأمّا مغايرته للإرادة مصداقا فالمتّجه أيضا التفصيل فيه بين الحقّ سبحانه وتعالى وغيره ، إذ إرادة الحقّ سبحانه
تحرير الأصول — صفحة 305
مساهمون: السيد محمد علي الموسوي الجزائري
ص٣٠٥