الموجود في أفق النفس وكونه مغايرا له مع كون كليهما من الكيفيّات النفسيّة .
واستدلّوا على مدعاهم تارة بالوجدان ؛ بأنّ كلّ متكلّم يرتّب المعاني في نفسه ، فيعزم على التكلّم ، وبإمكان تخلّف المدلولات عن العلم بها ؛ لإمكان الإخبار مع تعمّد الكذب أو مع الشكّ .
ويرد عليه : أمّا ما قاله من ترتيب المعاني والمدلولات في الذهن ثمّ التكلّم بها ، فإنّه أمر اتّفاقي ، ولا يتوقّف طبيعة التكلّم عليه . كيف وكثيرا ما يتّفق التكلّم بالبداهة من دون أن يكون أمام سلطان أو عالم .
وأمّا إمكان الإخبار كذبا ؛ فهو يتكلّم بما لا يعلم به أو يطلب شيئا من دون أن يكون مريدا له . فنحن نسلّم أنّ التكلّم سواء كان إخباريّا أو إنشائيّا يحتاج إلى تصوّر المطالب وإخطارها بالبال وهو أمر زائد على العلم لما قالوا من إمكان الكذب ، ولأنّ العلم قد يصير مخزونا في النفس ولا يكفي ذلك في التكلّم ؛ لأنّ التكلّم متوقّف على إحضار المعاني بالبال وتذكارها وهو أمر وراء العلم .
فلو كان هذا مرادهم من الكلام النفسي فهو صحيح . لكن تسميته بالكلام عجيب ، لضرورة أنّ كلّ فعل خارجي عمدي يكون حين الإتيان ملتفتا إليه فلو بنى على تسمية ذلك بالفعل النفسي لزم أن يقال : بالأكل النفسي والشرب النفسي وهكذا وهو كما ترى . فلا يصدق عليه الكلام النفسي ولا الطلب النفسي .
ولكن لا بدّ من التفصيل بين الحقّ ( سبحانه وتعالى ) وغيره من حيث إنّ علمه تعالى حضوري لا يطرأ عليه الغفلة والذهول ، لكي يحتاج فعله إلى تصوّر وخطور بالبال ، بل يكفي نفس علمه الأزلي لصدور الفعل منه وإن كان فعله حادثا .
ومن ناحية أخرى يستحيل عليه الكذب ؛ لأنّه أصدق القائلين . فصحّ أن نقول : إنّ كلام الباري ( جلّ وعلا ) اللّفظي لا يتوقّف إلّا على علمه الأزلي وليس شيء وراء ذلك .
تحرير الأصول — صفحة 304
مساهمون: السيد محمد علي الموسوي الجزائري
ص٣٠٤