لا يكون الاستعمال حقيقيا ولا مجازيا ؛ لأنّ المجازية محتاجة إلى العلاقة المصحّحة بالمعنى الحقيقي ، والمفروض أنّه في المقام ليس إلّا المعنى اللّغوي ، ولا علاقة للمعنى الشرعي به بنحو مفيد .
إلى هنا رجّح القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة ، ومن هنا أخذ في تزييفه ، بلحاظ عدم كون المعاني المخصوصة مستحدثة في شرعنا ، بل ثابتة في الشرائع السابقة ، كما هو مقتضى غير واحد من الآيات الشريفة مثل قوله تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
« 1 » وقوله تعالى :
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ
« 2 » وقوله تعالى :
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا
« 3 » وعليه فألفاظها حقائق لغوية لا شرعية ، واختلاف الشرائع فيها من حيث أجزائها وشرائطها لا يوجب الاختلاف في أصل الحقيقة والماهيّة ، بل لعلّه من قبيل الاختلاف في المصاديق والمحقّقات . ثمّ لا يخفى عليك أنّه مع هذا الاحتمال لا مجال لدعوى كونها حقائق شرعية ولا لتوهّم دلالة الوجوه التي ذكروها على ثبوتها .
أقول : إنّ غاية ما تدلّ عليه تلك الوجوه كون الألفاظ مستعملة في المعاني المخصوصة على نهج الاستعمال الحقيقي ، والمفروض أنّ تلك المعاني كانت من المعاني الحقيقيّة عند أهل اللّغة ، وكان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم من أهل اللّغة ، مستعملا طريقتهم في مقام التفهيم والتفهّم . فلم تكن حاجة إلى الوضع الجديد .
وقد يتوهّم أنّ صرف وجود هذه الطبائع في الشرائع السابقة لا يستلزم كونها مسمّاة بهذه الألفاظ ، وقد يتوهّم أنّ الاعتبار يساعده لأجل أنّ المنتحلين بتلك الشرائع لم يكن لسانهم عربيا .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 183 .
( 2 ) سورة الحجّ : 27 .
( 3 ) سورة مريم : 31 .