لملاحظة مآله وعاقبته ، بخلاف الحيوان . وهذا هو الملاك في كون الفعل اختياريا ، لا مجرد صدوره عن الإرادة .
فالحاصل : أنّ توهم كون القرب والبعد وما هو ملاك استحقاق العقاب وصحة توبيخ العبد راجعا إلى الذات ، فاسد جدا . وتدل على فساده مضافا إلى العقل الآيات الكريمة والأخبار الشريفة .
قال اللّه تبارك وتعالى
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ
« 1 » .
فلو كان العقاب راجعا إلى ما تقتضيه ذات العاصي لما كان مجال لهذا الخطاب ، ولما صح توبيخهم بهذا التوبيخ .
وقال أيضا تبارك وتعالى
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
« 2 » فإنّ خسران النفس ليس بخسران المال ، بل المراد منه أنّهم ضيّعوا أنفسهم واتلفوا الاستعداد واللياقة الذاتيتين اللتين أعطاهم اللّه تعالى إياهما . والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدا .
وأمّا الروايات ، فمنها : ما روي عن أبي جعفر ( عليه السّلام ) قال : « ما من عبد إلّا وفي قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء ، فإن تاب ذهب ذلك السواد ، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض ، فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا ، وهو قول اللّه
هامش
( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 130 .
( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 12 .