وأمّا الحسن والمصلحة والقبح والمفسدة الكامنة في الأفعال التي هي ملاكات الأحكام الشرعية فلها التقدم الطبعي بالنسبة إلى الأحكام ، وإذا كانت في فعل مصلحة ومفسدة ، وكانت إحداهما مرجوحة بالنسبة إلى الأخرى ، أثّر الراجح في أمر المولى ونهيه . ولكن ليس المراد من ذلك أنّ المصلحة المرجوحة أو المفسدة المغلوبة تزول رأسا ولا تبقى على حالها ، بل هما على حالهما كما كانتا . وعلى كل حال فلا يمكن أن تكون المصلحة الكامنة في الفعل بحسب الذات مانعة عن فعلية قبحه من جهة انتسابه إلى المولى ، وصحة استحقاق عقوبته عليه .
إذا عرفت ذلك كله تعلم : أنّ المصلحة الذاتية الكامنة في الفعل المتجرى به لا تمنع عن انطباق عنوان الهتك والظلم والخروج على المولى عليه . ولا تمنع من صحة عقاب المتجري واستحقاقه للذم واللوم .
وقد ظهر أيضا ما في كلام صاحب الفصول قدّس سرّه من تداخل العقابين في المعصية الحقيقية « 1 » ؛ لأنّه بعد فرض كون ملاك استحقاق العقاب في المتجري عين ما هو الملاك في استحقاق العاصي ، وأنّهما يرتضعان من ثدي واحد ، لا يبقى مجال لهذا الكلام ، لعدم إمكان تحقق التجري والمعصية الحقيقية في مورد واحد ، ولا دخالة لمصادفة الجزم مع الواقع وعدمها في استحقاق العقاب .
هامش
( 1 ) . الفصول : 87 ، سطر 34 ( مبحث مقدمة الواجب ) . ونقل عنه في فرائد الأصول 1 : 32 ورد عليه .