ويؤيّد ما ذكرناه : إنّ القواعد العقلية آبية عن التخصيص بلا نقاش ، فإذا حكمنا بقبح العقاب بلا بيان - بمعنى بلا علم ، على ما هو الظاهر من كلمة البيان والمصرّح به عند المتأخّرين - وجب تخصيصه بما يتنجّز فيه الاحتمال : من النفوس ، والأعراض المهمّة ، والأموال العظيمة ، ونحوها ، ممّا لا يتقيّد فقيه - فيها - بوجوب الأصول العملية .
فإمّا أن نقيّد الموضوع ب « غير المهمّات » أو نعمّم البيان للاحتمال ، أو نبدّل البيان إلى الالتفات ، ولا إشكال في الثالث ، فتأمّل .
البناء العملي في الفقه
ويؤيّد ذلك : إنّ معظم الفقهاء في شتّى موارد الفقه - إلّا ما خرج وهو قليل ، كالشبهات الموضوعية في بابي : الطهارة والنجاسة ، والحل والحرمة في المأكول والملبوس ، ونحو ذلك - .
في معظم موارد الشبهات الحكمية والموضوعية ، عملا ينجّزون الاحتمال الغالب ، بل مطلق الاحتمال العقلائي .
ففي الشبهة الحكمية ، يجرون أصالة عدم الحجّية بالنسبة إلى الشهرة الفتوائية ، والإجماع المنقول ، ومفهوم الوصف ، وقول اللغوي بلا عدد ، أو بلا عدالة ، ونحوها ، ومع ذلك يحتاطون فتوى وعملا في الفقه في معظم الموارد ، مع أنّه لم يحرز بيان حجّية هذه الأمارات ، وأصالة عدم حجّيتها محكّمة .
وفي مجال الشبهة الموضوعية ، يحتاطون فتوى وعملا في أمثال الأموال العظيمة ، والنفوس ، والأعراض المهمّة ، ونحوها ، لتنجّز الاحتمال ، ولا يجرون أصل العدم عند عدم محذور آخر .