أو أصحّ سندا ؛ فالرجوع إلى هذه الروايات في الترجيح من غير التمسّك ينافي وجوه التراجيح ، واعتبار الظنون الاجتهاديّة غير كاف لاستنباط الأحكام .
نعم ، الظاهر من الأخبار والموافق للاعتبار أنّ العرض على كتاب اللّه مقدّم ، فإذا وافق أحدهما الكتاب ، وخالف الآخر مذهب العامّة ، أو كان أصحّ سندا ، يؤخذ بموافق القرآن .
والأخبار الدالّة على أخذ الأوفق بالقرآن لا تحصى كثرة ، وكذا المستفاد منهما تقدّم الموافقة للسنّة على غير الموافقة للقرآن من وجوه التراجيح .
ثمّ اعلم أنّ طرح الخبر الموافق لمذهب العامّة ، وحمله على التقيّة إنّما يصحّ إذا كان موافقا لمذهب جميعهم أو أكثرهم ، أو علم أنّ مدلوله كان معمولا به عندهم في زمان الإمام الذي اسند إليه الخبر ، أو علم بقرائن خارجيّة أنّه خرج مخرج التقيّة ، فليس لأحد أن يحمل الخبر على التقيّة بمجرّد موافقته لمذهب بعضهم ؛ فإنّ مذاهب العامّة في الأحكام لم تكن منحصرة في عصر الصادقين بالمذاهب الأربعة ، ولم يكن أهل الاجتهاد والفتوى فيهم منحصرا بأئمّتهم الأربعة ، بل كان مذاهبهم غير محصورة ، وأرباب الاجتهاد والآراء فيهم كثيرين . وقد نقل في تواريخهم أنّ أهل الكوفة يعملون في عصر الصادق عليه السّلام بفتاوى أبي حنيفة وسفيان الثوريّ ورجل آخر ، وأهل البصرة بفتاوى عثمان وسوار وسعيد والربيع ، وأهل الشام بفتاوى الأوزاعي والوليد ، وأهل مصر بفتاوى الخليل بن سعد ، وأهل خراسان بفتاوى عبد اللّه بن مبارك ، وكان فيهم من أهل الفتاوى غير هؤلاء كثيرين « 1 » ، كسعيد بن المسيّب ، والزهري ، وربيعة الراوي ، وسفيان بن عيينة وغيرهم « 2 » . وكلّ واحد من هؤلاء كان إمام قوم برأسه . وكان الرؤساء الأربعة كغيرهم من أهل الآراء ، ومذاهبهم الأربعة كغيرها من المذاهب إلى أن مال الرشيد إلى الحنفيّة ، وغيره إلى غيرها ، ولكن لم تترك المذاهب الأخر إلى أن أجمعوا على حصرها في الأربعة في سنة خمس وستّين وستّمائة ، فصارت أشهر من غيرها « 3 » .
ومن هنا يعلم أنّ مخالفة العامّة أقلّ وجودا من سائر وجوه التراجيح المنصوصة .
هامش
( 1 و 2 ) . منصوبان على الحال .
( 3 ) . راجع في الفوائد الحائرية : 220 - 221 ، وروضات الجنّات 1 : 191 و 4 : 306 - 308 : « في سنة خمس وستّين وثلاث مائة » وراجع أيضا أساس الأحكام في نهاية الأصل الرابع .