وأمّا القياسان المتعارضان ، فلمّا اشترطنا في حجّيّة القياس التنصيص على العلّة أو التنبيه عليها ، وحكم الأصل لا بدّ له من دليل ، فما دليل العلّة فيه قطعي أولى من غيره ، وكذا ما حكم أصله قطعي أرجح من غيره ، ولو ارتفع القطع وصار القياسان ظنّيين فالتعارض فيهما قريب من التعارض في الخبرين ؛ لرجوع النزاع إلى النصّ في العلّة والدليل المثبت لحكم الأصل ، فيرجّح أحدهما ببعض الوجوه المتقدّمة .
وقد ذكر العامّة أنّ أحد القياسين المتعارضين يرجّح على الآخر بوجوه « 1 » :
الأوّل : بحسب أصله ؛ فيقدّم ما هو أصله قطعي على ما هو ظنّي ، وفي الظنّي يقدّم ما هو دليله أقوى ، وما لم ينسخ باتّفاق على ما اختلف في كونه منسوخا ، وما قام دليل خاصّ على تعليله وجواز القياس عليه على غيره ، وما على سنن القياس باتّفاق على ما اختلف في كونه على سننه .
الثاني : بحسب علّته ؛ فيقدّم العلّة القطعيّة على الظنّيّة ، والباعثة على الأمارة ، والوصف الحقيقي على الاعتباري ، والثبوتيّ على العدمي ، والعلّة المنضبطة على المضطربة ، والظاهرة على الخفيّة ، والمتّحدة على المتعدّدة ، والمتعدّية في فروع أكثر على المتعدّية في الأقلّ ؛ لكثرة الفائدة ، والمطّردة على المنقوصة ، والمنعكسة على غير المنعكسة ، والمطّردة غير المنعكسة على المنعكسة غير المطّردة ، والجامعة المانعة للحكمة على ما ليس كذلك ، والمنقوصة التي كان موجب التخلّف فيها قويّا على التي كان موجب التخلّف فيها ضعيفا ، والعلّة التي لا مزاحم لها في الأصل - أي لا يكون معارضة - على التي تكون معارضة ، والمعارضة الراجحة على المزاحم على المعارضة المرجوحة عنه ، والعلّة المقتضية للنفي على المقتضية للثبوت ؛ لتأييدها بالنفي الأصلي - وقيل بالعكس « 2 » ؛ لأنّ المثبتة تفيد حكما شرعيّا - والعامّة لجميع المكلّفين على الخاصّة ببعضهم ؛ لكثرة الفائدة .
الثالث : بحسب دليل العلّة ؛ فيقدّم ما دليل علّيّتها قطعي على ما دليل علّيّتها ظنّي ، وما
هامش
( 1 ) . راجع الإحكام في أصول الأحكام 4 : 284 - 291 .
( 2 ) . قاله الشوكاني ونقل عن إمام الحرمين ( الجويني ) نسبته إلى جمهور الفقهاء في إرشاد الفحول 2 : 271 .