فصل [ 3 ] [ : في تخيير المجتهد في العمل بأحد المتعارضين عند عدم وجود المرجّح ]
لمّا عرفت « 1 » وجوه التراجيح في الخبرين المتعارضين ، فاعلم أنّ الترجيح بين الآيتين المتعارضتين إنّما يكون ببعض تلك الوجوه ، كالموافقة للأصل ، أو الإجماع ، أو الشهرة ، أو الآية الأخرى ، أو السنّة ، أو غير ذلك . ومع عدم الظفر بواحد منها ، وعدم إمكان جعل إحداهما ناسخة للأخرى ؛ لجهل التأريخ يتخيّر المجتهد في العمل بأيّتهما شاء .
وأمّا الإجماعان الظنّيان المتعارضان ، فإن كانا منقولين بأخبار الآحاد ، بأن يدّعي بعض الإجماع على حكم ، والآخر على خلافه ، فحكمهما في الترجيح حكم الخبرين المتعارضين . وإن كانا استنباطيّين ، بأن يعلم بالفحص اتّفاق جماعة من أهل الحلّ والعقد على حكم ، واتّفاق آخرين على خلافه - وهذا في الحقيقة تعارض شهرتين - فيرجّح المتقدّمة منهما على المتأخّرة ، كالصحابة على التابعين ، والتابعين على تبعهم ، وعلى هذا الترتيب ؛ لأنّهم أعلى رتبة وأقرب إلى المعصوم . ويمكن أيضا ترجيح إحداهما ببعض الوجوه المتقدّمة .
وأمّا الأصلان المتعارضان ، فيمكن ترجيح أحدهما ببعض الوجوه المتقدّمة ، من الموافقة للكتاب ، أو السنّة ، أو أصل آخر ، أو إجماع ، أو شهرة ، وقد يغلب بالاحتياط ، أو ببعض وجوه واعتبارات أخر ، ومع فقد الترجيح فالحكم التخيير ، أو التوقّف والاحتياط .
فلو تيقّن الطهارة والحدث وشكّ في اللاحق منهما ، فاستصحاب حكم كلّ واحد منهما يوجب تعارض الاستصحابين إلّا أنّ الأقوى البناء على الحدث ؛ للشهرة والاحتياط ، ولو صلّي جمعتان فصاعدا في فرسخ فما دون ، واشتبه السبق والاقتران ، تعارض أصلا عدم تقدّم كلّ منهما ولا يمكن الترجيح ، فيجب على الجميع إعادة الجمعة .
وقد تقدّم بعض أمثلة تعارض الأصلين فيما تقدّم « 2 » ، وتقدّم أيضا كيفيّة الترجيح والخلاص في تعارض الأصل والظاهر « 3 » .
هامش
( 1 ) . في ص 974 وما بعدها .
( 2 ) . في ص 982 .
( 3 ) . تقدّم آنفا .