أمّا كونه عارضا للألفاظ بحسبهما ، فلا ريب فيه .
وأمّا كونه عارضا للمعاني لغة ، فظاهر من إطلاق الأدباء واستعمال الفصحاء إطلاقا شائعا ، واستعمالا ذائعا ، كقولهم : « عمّ العطاء » و « عمّ البلاء » و « عمّ الخصب » و « عمّ الجدب » و « عمّ المطر » و « عمّ الخير » وغير ذلك « 1 » .
وأمّا كونه عارضا لها عقلا ؛ فلأنّه كما يصحّ في الألفاظ أن يوجد لفظ واحد شامل لألفاظ كثيرة متعلّق بها تعلّق الصدق والحمل لا تعلّق الحلول ، فكذلك يصحّ أن يوجد معنى ذهني يشمل أفرادا كثيرة يحمل عليها بالحمل الإيجابي . وإنكار ذلك مكابرة . والظاهر أنّ من أنكره من الاصوليّين ممّن أنكر وجود المعاني الذهنيّة .
وظهر من ذلك أنّ الأمر العامّ إذا لم يكن من الألفاظ لا بدّ أن يكون من المعقولات الذهنيّة لا الأعيان الخارجيّة ؛ لأنّه لا يمكن أن يوجد في الخارج ما يتّصف بالعموم - أي يكون صادقا ومحمولا على كثيرين - إلّا أن يثبت وجود الكلّي الطبيعي في الخارج .
فصل [ 3 ] [ : في ما يفيد العموم ]
ما يفيد العموم إمّا يفيده عرفا ، كقوله تعالى :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
« 2 » ، فإنّه يوجب عرفا حرمة جميع الاستمتاعات .
أو عقلا ، وهو إمّا ترتّب الحكم على الوصف بإحدى الطرق المثبتة للعلّيّة ؛ لأنّه إذا ثبتت العلّيّة ، يحكم العقل بعمومها ، أي ثبوت الحكم أينما وجدت ، كقوله :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا
« 3 » ،
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا
« 4 » .
أو دليل الخطاب عند من يقول به ، كقوله عليه السّلام : « في سائمة الغنم زكاة » « 5 » فإنّه يفيد انتفاء الزكاة عن جميع ما عدا السائمة . أو اشتمال السؤال على ما يحكم العقل لأجله بعموم الحكم
هامش
( 1 ) . راجع منتهى الوصول لابن الحاجب : 102 .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 23 .
( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 38 .
( 4 ) . النور ( 24 ) : 2 .
( 5 ) . انظر تهذيب الأحكام 4 : 2 ، ح 2 ، والاستبصار 2 : 2 ، ح 2 .