مادّة الرفع ؛ فإنّ الرفع لا يطلق إلّا على رفع أمر ثقيل ، ولا ثقل في غير الحكم الإلزامي ، فلا يرفع الحديث الأحكام غير الإلزاميّة ولا الأحكام الوضعيّة .
وحينئذ فإذا قام الدليل على أنّ السهو في الصلاة موجب لسجود السهو ، وأنّ قتل الخطأ موجب للدية ، أو أنّ أكل مال الغير لدى الاضطرار موجب للضمان لم يكن ذلك كلّه منافيا لعموم الحديث ؛ لأنّ معروضات أحكام هذه الموارد أمور أخر وراء هذه العناوين مفهوما ومصداقا ، وإنّما هذه العناوين صارت أسبابا للحوق الحكم إلى محالّ أخر ، والسببيّة ما لا يرفعها الحديث وإن قلنا بمجعوليّتها .
الرابع : أنّ الرفع والوضع كما يسندان إلى الحكم كذلك يسندان إلى الموضوع ذي الحكم بلا عناية وتجوّز . نعم ، مصحّح نسبتهما إلى الموضوع هو الرفع والوضع لحكم ذلك الموضوع ، بل مصحّح نسبتها إلى الحكم والموضوع أمر واحد ، وهو إلزام العقل بالإطاعة ؛ فإنّ الثقل والمشقّة المصحّحة لصدقها هو من قبل إلزام العقل بالفعل . نعم ، هذا المصحّح يكون في الموضوع بواسطتين ، وفي الحكم بواسطة واحدة .
وأمّا نفس النسبة ففي الكلّ على وجه الحقيقة ، فقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « رفع ما لا يعلمون » يعمّ كلّ حكم أو موضوع لا يعلم ، ويكون رفعه في الحكم برفع نفسه وفي الموضوع برفع حكمه الآتي من قبله الثقل على المكلّف . ونظيره في ذلك ثقل الدّين وثقل العيال ؛ فإنّه باعتبار الإلزام العرفي الثابت في موضوعهما بالوفاء للدين والقيام بنفقة العيال ، كذلك ثقل كلّ موضوع لحكم شرعي أو عرفي هو باعتبار ذلك الحكم الشاقّ الثابت فيه ، فأشبهت بذلك الثقيل الحسّي ، واستحقّت لإطلاق هذا الاسم ، وكان رفعها ووضعها برفع ما به الثقل ووضعه .
ومن هنا يظهر ألا ضرورة إلى التقدير في الحديث حتّى يبحث عمّا هو المقدّر - أهو العقاب أو غير العقاب - بل الموضوع أو الحكم بنفسه يكون مرفوعا . نعم ، رفع الموضوع يكون برفع الحكم ، لا أنّ الرفع أسند إلى الحكم ليكون في العبارة تقدير ، ويكون ارتفاع العقاب وكذا ارتفاع وجوب الاحتياط تبع ارتفاع أصل الخطاب ، لا أنّهما هما المقصودان بالرفع وكان الرفع مسندا إليهما .
إذا حفظت هذه الأمور ظفرت بتقريب الاستدلال بالحديث للمقام ، وأنّ مفاد الحديث قصر عموم الأحكام بإخراج صورة الجهل بها أو بموضوعها عنه بعد أن كانت عامّة في
الأصول في علم الأصول — صفحة 298
مساهمون: ميرزا علي الإيرواني النجفي
ص٢٩٨