فلا بدّ أن يراد احتماله للحلّ والحرمة ، وحمله على التردّد بينهما لا يناسب المعنى الحقيقي .
فالمتعيّن حمله على ما ذكرناه من وجود الاحتمالين فيه فعلا على أن يكون المضاف مقدّرا ، فيتمسّك حينئذ به للحكم بالبراءة في الشبهات التحريميّة .
لكن يدفعه : أنّ ظهور الحديث في انقسام الشيء إلى الحلال والحرام الواقعيّين دون الاحتماليّين أقوى من ظهور « كلّ شيء » في العموم بحسب الأشخاص ، فيحمل على العموم بحسب الأنواع ، فيكون معنى الحديث : أنّ كلّ كلّي فيه قسمان : قسم حلال وأخر حرام ، فذلك الكلّي حلال للشخص يرتكب كلّ ما صادفه من مصاديقه حتّى يعلم بالمصداق الحرام معيّنا فيقف عنده ، فيختصّ الحديث بالشبهات الموضوعيّة .
ولك أن تتحفّظ على كلا الظهورين ، ولكن ترتكب الاستخدام في ضمير « منه » فيكون المعنى : كلّ شخص في كلّيّه حرام وحلال ، فذلك الشخص لك حلال حتّى تعلم أنّه من مصاديق الحرام .
وعليه أيضا يختصّ الحديث بالشبهات الموضوعيّة ولم يكن دليلا في مسألتنا . ويخطر بالبال احتمال رابع ، وهو أن يكون المراد من « كلّ شيء » كلّ مركّب من عدّة أشياء بعضها حرام وبعضها حلال ، فهذا المركّب حلال حتّى يعلم الحرام منه بعينه ، وكلمة « بعينه » تساعد هذا الاحتمال . وعليه تكون الرواية دليلا على حلّ أطراف الشبهة المحصورة .
[ حكم العقل بالبراءة : ]
واستدلّ على البراءة بحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ومن غير حجّة على التكليف ولا برهان ، فإذا كان المشتبه حكمه مأمونا من العقوبة عليه كان مباحا مرخّصا فيه عقلا .
ويردّه : أنّ مجرّد الأمن من العقاب وعدم استحقاقه لا يوجب الإذن في الفعل ؛ فإنّ سبب إلزام العقل بالفعل أمران : أحدهما دفع العقاب عن النفس وهو أخسّ السببين ، والآخر كون الإطاعة شكرا لنعمة اللّه وجزاء لأياديه ، وإن فرض أنّه لا يعاقب على مخالفته بل لم نقل باستحقاق العقاب على المخالفة عقلا .
ولا بدّ في الحكم بالرخصة من سدّ كلا الأمرين ، الأمر الأوّل بقبح العقاب الذي قالوه ، والأمر الثاني باختصاص حكم العقل بالإطاعة - شكرا للنعمة - بالتكاليف المعلومة وعدم عموم حكمه للتكاليف المحتملة ، بل لو ثبت هذا كفى وأغنى عن الأوّل وقبح العقاب ، وإلّا فلا ؛ وذلك أنّ حسن العقاب منوط بقيام الحجّة على التكليف ، ومعنى قيام الحجّة على