ذا دون عدم الوجود ، فلئن حصل قطع من عدم الوجدان بعدم الوجود أو لم يحصل كان الحكم هو الإباحة . وكون مورد الآية ممّا يقطع من عدم الوجدان بعدم الوجود لا يوجب أن يكون الحكم مختصّا بما إذا قطع ، بل التعبير بعدم الوجدان كاشف عن عموم الحكم .
والجواب : أنّ التعبير عن عدم الوجود بعدم الوجدان باب من الكناية واسع ، فيطلق هذا ويراد به ذاك ، لكن ذلك فيما إذا لو كان لبان ، فيقال : لا أراك في المشاهد وفي الجمعة والجماعات ، ولا أرى لك نصيبا من العلم وحظّا من الكمال إلى غير ذلك .
هذا كلّه ، مضافا إلى أنّ الآيتين من أدلّة أصالة الإباحة قبل الشرع .
ومنها : قوله تعالى :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
« 1 » .
ولا يرد عليه شيء غير ورود أخبار الاحتياط عليها ، وكونها بيّنة . وأمّا ورودها في وقعة بدر فذلك لا يوجب اختصاصها بها بعد ظهور الوارد في أنّه هو الحكم العقلي العامّ .
واستدلّ من السنّة بأخبار :
منها : [ حديث الرفع ]
النبوي المروي بعدّة طرق : « رفع عن أمّتي تسعة : الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطرّوا إليه ، والطيرة ، والحسد ، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الإنسان بشفة » « 2 » .
وتقريب الاستدلال به يتوقّف على ذكر أمور :
الأوّل : أنّ الرفع يطلق على إزالة أمر ثابت ، ولو ثبوتا صوريّا ومن جهة قيام الدليل عليه ، وأمّا ما قام مقتضيه فقط فلا يطلق عليه الرفع . نعم ، يختصّ ذلك باسم الدفع .
ثمّ الثبوت قد يكون شخصيّا كما في موارد النسخ ، وقد يكون نوعيّا ، وكان الثابت هو مماثل هذا لا نفسه ك « ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين » « 3 » والرفع في الحديث من هذا القبيل ؛ فإنّ إطلاق الرفع على رفع التسعة باعتبار ثبوت التكليف بها في الأمم السابقة ، وإلّا
هامش
( 1 ) . الأنفال ( 8 ) : 42 .
( 2 ) . الكافي 2 : 463 / 2 ؛ الفقيه 1 : 36 / 4 ؛ الخصال 2 : 417 / 9 ؛ التوحيد : 353 / 24 ؛ وسائل الشيعة 15 : 369 أبواب جهاد النفس ، ب 56 ، ح 1 .
( 3 ) . هذا قول زيد بن أرقم لعبيد الله بن زياد حين وضع رأس الحسين بين يديه وكان يضرب بقضيبه ثناياه عليه السّلام بحار الأنوار 45 : 116 .