وثانيا : أنّ مضامين الآيات ممّا لا ينكر ، والخصم يدّعي ثبوت البيان بأخبار الاحتياط .
ويمكن الذبّ عن الأوّل بأنّ مساق الآيات نفي الاستحقاق ، وأنّ التعذيب قبل بعث الرسول ليس من شأن اللّه تعالى ، فلو لا أنّه قبيح لم لم يكن من شأنه ؟ !
وعن الثاني بأنّ ظاهر الآيات عدم ترتّب تبعات التكليف ما لم يبيّن التكليف بعنوانه الخاصّ ، لا بكلّ عنوان ليشمل تبليغا بعنوان الاحتياط ، وإلّا لم تكن منّة في ذلك ، ولم يختصّ به تعالى .
فالأولى تبديل الجوابين بجوابين آخرين :
الأوّل : أنّ مفاد الآيات هو البراءة قبل ورود الشرع لا بعده واختفاء الأحكام . فهي دليل أصالة الإباحة في الأشياء مقابل أصالة الحظر ، لا دليل أصالة البراءة مقابل أصالة الاحتياط .
الثاني : أنّ الآيات إنّما دلّت على عدم تعذيب الأمم السابقة على إنكارهم لأصول الديانات قبل بعث الرسول إتمام الحجّة ، وأين ذلك من شراعنا ، وبالنسبة إلى الفروع ؟ ! ولم تثبت الفحوى ، ولا اتّحاد المناط . ولو سلّم عمومها لشراعنا كان الاختصاص بالأصول على حال ، إلّا أن يمنع هذا الاختصاص أيضا .
بل لا يبعد دعوى اختصاص الآية الأخيرة بالفروع بقرينة قوله تعالى :
حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ
« 1 » سيّما وفي رواية : « حتّى يعرّفهم ما يرضيه وما يسخطه » « 2 » فتشمل الشبهات الوجوبيّة أيضا . ويكون محصّل الآية أن ليس فعل شيء ضلالة وخروجا من الشرع إلّا بعد بيان الأوامر والنواهي ، وهذا معنى أصالة الحلّ والإباحة .
ومنها : قوله تعالى :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً
« 3 » وقوله تعالى :
ما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ
« 4 » .
وتقريب الاستدلال بها : أنّ التعبير بعدم الوجدان كاشف عن أنّ مناط الحكم بالإباحة هو
هامش
( 1 ) . التوبة ( 9 ) : 115 .
( 2 ) . الكافي 1 : 163 / 5 ؛ بحار الأنوار 5 : 301 / 7 .
( 3 ) . الأنعام ( 6 ) : 145 .
( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 119 .