تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأصول في علم الأصول — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
نعم ، لا ترتبط الآية على هذا بصدرها ، وهو قوله تعالى :
لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ
مع أنّ الظاهر أنّها في مقام التعليل له ، فلو روعي مناسبة الصدر لزم حمل الموصول على المال أو الفعل ، فتصير الآية أجنبيّة عن المقام دليلا على اشتراط التكليف بالقدرة ، ولا يتيسّر الجمع بين المعنيين ؛ لأنّ نسبة الفعل إلى المفعول المطلق نسبة صوريّة كلاميّة ، ونسبته إلى المفعول به واقعيّة ، ولا جامع بين النسبتين . ويمكن الجمع بين ظهور الآية المؤكّد بالرواية في إرادة التكليف من الموصول على أن يكون مفعولا مطلقا ، ومع ذلك يكون الارتباط فيها محفوظا مريدا من الآية أنّ الله لا يكلّف إلّا بعد البيان ، ولم يبيّن في موضع من المواضع وجوب الإنفاق ممّا لا يتيسّر فيعلم أن لا تكليف ، فيفهم من التعليل إرادة عدم وجوب الإنفاق من غير الميسور عرفا لا من غير الميسور عقلا حتّى يقال : إنّ المناسب حينئذ التعليل بقبح التكليف عقلا ، لا بعدم بيان التكليف شرعا . ويشهد له الجمع في الرواية بين الاستدلال بهذه الآية وآية
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
« 1 » فإنّ مقابل الوسع الضيق لا القدرة . ومنها : قوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 2 » وقوله تعالى :
وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا
« 3 » وقوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ
« 4 » . وتقريب الاستدلال بالآيات الثلاث واحد ؛ فإنّها متّفقة الدلالة على أنّ أثر المعصية من العذاب والهلاك والضلالة موقوف على بيان التكليف ببعث الرسول ، مريدا من الرسول إمّا الشخص الخاصّ المتّصف بالعصمة ، أو مطلق المبلّغ للحكم . والجواب أوّلا : أنّ مؤدّى الآيات نفي التعذيب الفعلي قبل تبليغ الرسول لا نفي الاستحقاق ، فلعلّ الاستحقاق ثابت ومن باب التفضّل لا يهذّب .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 286 . ( 2 ) . الإسراء ( 17 ) : 15 . ( 3 ) . القصص ( 28 ) : 59 . ( 4 ) . التوبة ( 9 ) : 115 .