وعلى هذا فإن كان غرض الأشاعرة من إنكار الحسن والقبح إنكار واقعيتهما بهذا المعنى من الواقعية فهو صحيح . ولكن هذا بعيد عن أقوالهم لأنه لما كانوا يقولون بحسن الأفعال وقبحها بعد حكم الشارع فإنه يعلم منه أنه ليس غرضهم ذلك لأن حكم الشارع لا يجعل لهما واقعية وخارجية . كيف وقد رتبوا على ذلك بأن وجوب العرفة والطاعة ليس بعقلي بل شرعي . وإن كان غرضهم إنكار إدراك العقل كما هو الظاهر من أقوالهم فسيأتي تحقيق الحق فيه وأنهم ليسوا على صواب في ذلك .
3 - العقل العملي والنظري
إن المراد من العقل - إذ يقولون أن العقل يحكم بحسن الشيء أو قبحه بالمعنى الثالث من الحسن والقبح - هو ( العقل العملي ( في مقابل ( العقل النظري ) .
وليس الاختلاف بين العقلين إلا بالاختلاف بين المدركات ، فإن كان المدرك - بالفتح - مما ينبغي أن يفعل أو لا يفعل مثل حسن العدل وقبح الظلم فيسمى إدراكه ( عقلا عمليا ) وإن كان المدرك مما ينبغي أن يعلم مثل قولهم : « الكل أعظم من الجزء » الذي لا علاقة له بالعمل ، فيسمى إدراكه ( عقلا نظريا ) .
ومعنى حكم العقل - على هذا - ليس إلا إدراك أن الشيء مما ينبغي أن يفعل أو يترك . وليس للعقل إنشاء بعث وزجر ولا أمر ونهي إلا بمعنى أن هذا الإدراك يدعو العقل إلى العمل ، أي يكون سببا لحدوث الإرادة في نفسه للعمل وفعل ما ينبغي .
إذن - المراد من الأحكام العقلية هي مدركات العقل العملي وآراؤه .
ومن هنا تعرف أن المراد من العقل المدرك للحسن والقبح بالمعنى الأول ، أن المراد به هو العقل النظري ، لأن الكمال والنقص مما ينبغي أن يعلم ، لا مما ينبغي أن يعمل . نعم إذا أدرك العقل كمال الفعل أو نقصه ، فإنه يدرك معه أنه ينبغي فعله أو تركه فيستعين العقل